-الصفحة الرئيسية > مركز المعلومات > الأخبار

مُطالعة قانونيّة حول قانون المخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016


 

مُطالعة قانونيّة حول قانون المخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016

يُشكّل تعاطي المواد المخدّرة عاملاً أساسيّاً في تفكّك البُنية المُجتمعيّة، كما ويُعدّ من أحد العوامل الرئيسة في ارتفاع نسبة ارتكاب الجرائم بشتى أنواعها. ويقع عبء مُكافحة هذه الآفة على الدّولة بمؤسساتها المُختلفة وعلى قوى المجتمع المدنيّ أيضاً، سواءً من حيث الجانب الوقائيّ (الاستباقيّ) والمتمثّل ببيان مخاطر الإقدام على تعاطي المواد المخدّرة، وكبح جماح الفضول لدى الجيل الناشئ في تناول مثل هذه المواد، والدّور العلاجيّ المُتمثّل في اتخاذ الإجراءات القانونيّة بحق مرتكبي الجرائم المتصّلة بالمواد المخدّرة. وعليه فقد تمّ خلال العام 2016م سن قانون المخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016 و بالتّبعية إلغاء قانون المخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (11) لسنة 1988، بهدف شمولية تجريم صورة التّعاطي والاتجار بالمواد المخدّرة، ورسم أسس لاستراتيجيات وطنيّة لمُكافحة هذه الآفة طارئة الوجود في المُجتمع الأردنيّ. وباستقراء نصوص هذا القانون نورد أبرز المُلاحظات التّالية:  

أولاً: اتسم القانون بشمولية تجريمه لصور التّعامل بالمواد المخدّرة والمؤثرات العقليّة: كالتّعاطي، والاتجار، والحيازة المجرّدة من هدف الاتجار. كما وأنّ المُشرّع قد أحسن صنعاً بإضافته مفهوم السّلائف الكيميائيّة[1] إلى مصاف المواد التي يُحظر التّعامل بها بموجب هذا القانون، وبهذا تتّسع بإيجابيةٍ دائرة التّجريم لتطال المواد الكيميائيّة كافةً التي تدخل في تصنيع المواد المخدّرة أو المؤثرات العقليّة.

ثانياً: تبنّى القانون فكرتي الرّعاية والإصلاح لمُتعاطي المواد المخدّرة، إذ أعفى مُتعاطي المواد المُخدّرة من المُلاحقة القضائيّة إن تقدّموا من تلقاء أنفسهم أو بواسطة أحد أقربائهم إلى المراكز المُتخصّصة للمُعالجة التّابعة لأيّ جهةٍ رسميّةٍ، أو لإدارة مُكافحة المُخدّرات، أو لأيّ مركزٍ أمنيّ بهدف المُعالجة. كما ولم يعتبر القانون تعاطي المواد المخدّرة لأول مرةٍ سابقةً جرميّةً لأغراض تطبيق قواعد التّكرار.

ثالثاً: أدرك المشّرع أهمية الجانب الوقائيّ في مُكافحة آفة المُخدّرات، وبالتالي ألزم بموجب المادة (31) من القانون تشكيل هيئة وطنيّة "اللجنة الوطنيّة لمُكافحة المُخدّرات والمُؤثرات العقليّة" يُناط بها: رسم السياسة العامة لمكافحة انتشار المواد المُخدّرة والمُستحضرات والمُؤثرات العقليّة والسّلائف الكيميائيّة ووضع الخُطط اللّازمة لتنفيذها، واقتراح أيّة تعديلاتٍ على هذا القانون وإعداد مشروعات الأنظمة اللّازمة لتنفيذ أحكامه ورفعها للوزير، والمُشاركة في إعداد التّعليمات والجداول والملاحق الواجب على الجهات ذات العلاقة إصدارها وفقاً لأحكام هذا القانون. إلاّ أنّه يؤخذ على تشكيل هذه اللّجنة اقتصار تمثيلها بالمؤسسات الحكوميّة فقط، ممّا يعني ذلك إغفال الدّور الإيجابيّ الذي من المُمكن أن تقوم به مؤسسات المُجتمع المدنيّ في هذا النّطاق. كما ونصّ القانون بموجب نص المادة (32) منه على وجوب إنشاء صندوق يسمى (صندوق مكافحة المخدرات والمؤثرات العقليّة) يتمتّع بالشخصية الاعتباريّة يُناط به مهمة مُكافحة جرائم المُخدّرات والمؤثرات العقليّة، والمُساهمة في معالجة متعاطي ومدمني المواد المُخدّرة والمُستحضرات والمُؤثرات العقليّة، ودعم القائمين على تطبيق أحكام هذا القانون، وقد كفل القانون مصادر تمويل هذا الصندوق بما نسبته (20%) من العائدات الماليّة المُتأتية من الغرامات المحكوم بها بموجب أحكام هذا القانون-أي قانون المخدّرات والمُؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016-.

رابعاً: توسّع القانون بمنح النيابة العامة والمحكمة بعد إحالة القضية إليها –أي محكمة أمن الدّولة- الصّلاحية القانونيّة لإلقاء الحجز التحفظيّ على أموال المُشتكى عليهم في أي جناية من الجنايات المنصوص عليها في قانون المُخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016 وأصوله وفروعه وزوجه ومنعهم من السّفر إلى حين استكمال إجراءات التّحقيق والفصل في الدعوى وللمحكمة أن تقرّر مصادرتها. وما يتوجّب الإشارة إليه في هذا الصّدد ما يلي:

أ. اقتصرت صلاحية إصدار قرارات الحجز التحفظيّ وقرارات منع السّفر بالنيابة العامة ومحكمة أمن الدّولة في الجرائم الجنائيّة فقط دون الجنحويّة منها.[2]

ب. توسّع المشرّع بمنح صلاحية إصدار قرارات منع السّفر بموجب المادة (23/ج) لتمتد إلى أصول الجاني، وفروعه، وزوجه.

ج. لم يحدّد المشرّع مدة قانونيّة لقرارات الحجز التحفظيّ وقرارات منع السّفر، فقد خلا القانون من المحدّدات الزمنيّة لسريان تلك القرارات وجعلها ذات ارتباطٍ بانتهاء إجراءات التّحقيق أو الفصل في الدّعوى. كما لم يُلزم المشرّع النيابة العامة والمحكمة بتسبيب قراراتها تلك. 

خامساً: خرج المشرّع بموجب المادة (28) من القانون عن الأصول المُتّبعة في التّجريم بإقراره عقوبة مُماثلة لكلٍ من المتدخّل والمحرّض والشّريك والفاعل الأصلي، وبمعاقبته على الشّروع التاّم في الجنايات المنصوص عليها في أحكام هذا القانون بعقوبة الجريمة التامة. كما وخالف المشرّع الأصول المتّبعة لمفهوم التّكرار الجرميّ بموجب المادة ذاته باعتماده نتيجة الأحكام القضائيّة الأجنبيّة لإثبات التّكرار. 

سادساً: تبنى المشرّع مفهوم عالميّة الجرائم المتّصلة بالمواد المخدّرة، حيث تمخّض عن ذلك إقرار المشرّع عقوبة الإعدام بموجب المادة (20) من القانون لبعض صور الجرائم ذات الصّلة بالمواد المخدّرة، إذا ارتكبت بالاشتراك مع إحدى العصابات الدوليّة المُتعاملة بالمواد المُخدّرة أو المُؤثرات العقليّة، أو إذا كانت الجريمة التي ارتكبها مقترنة بجريمة دوليّة أخرى بما في ذلك تهريب الأسلحة والأموال وتزييف النّقد، أو كانت الجريمة جزءاً من أعمال عصابة دوليّة تقوم بارتكاب الجرائم الدوليّة التي يكون مجال إعمالها كلها أو أيّ منها في أكثر من دولة واحدة أو  يشترك في ارتكابها مجرمون من أكثر من دولة.

سابعاً: أغفل المشرّع بأنّ محكمة أمن الدّولة هي محكمة خاصة محدّدة الصلاحية القانونيّة بموجب نص المادة (102/2) من الدستور الأردنيّ، وتتمثّل صلاحيتها القانونيّة تلك بالنّظر في الجرائم الخمس التّالية على سبيل الحصر: الخيانة، والتّجسس، والإرهاب، وجرائم المخدّرات، وتزييف العملة. وبناءً عليه فإن منح النائب العام لمحكمة أمن الدّولة بموجب المادة (29) من هذا القانون صلاحيات قاضي التّنفيذ في تحصيل الأموال المُصادرة والغرامات بالامتيازات المقرّرة لتحصيل الأموال الاميريّة يُعتبر مخالفة صارخة للدستور الأردنيّ وإخلالاً بجوهر تكوين النّظام القضائيّ الأردنيّ.

ثامناً: خالف القانون بموجب المادة (33/ب) منه "مبدأ المصلحة الفُضلى للطفل" وهو أحد المبادئ التي تقوم عليها اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1990 التي التزمت بها الدولة الأردنيّة وتمّ نشرها في الجريدة الرسميّة عام 2006، وذلك بمنح محكمة أمن الدّولة صلاحية النّظر في الجرائم المُرتكبة من قبل الأحداث والمنصوص عليها في هذا القانون.

تاسعاً: خالف المُشرّع صراحةً مبدأ الفصل بين السّلطات بتجاوزه ابتداءً للأسس الدستوريّة للتّشريع، وللأسس الرّاسخة في التّجريم، وذلك من خلال منح مجلس الوزراء الصّلاحية القانونيّة لتعديل الجداول المُلحقة بهذا القانون، والتي يقوم على أساسها تجريم الأفعال تبعاً للمواد المتداولة. وعليه فلا يجوز إجراء التّعديل لقانون بموجب قرار تنظيميّ صادر من قبل مجلس الوزراء.

 

                                                                                                    إعداد:

سيف زياد الجنيدي

 

 




[1]  قانون المخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016، المادة (2) والتي جاء بها:(السّلائف الكيميائيّة: كل مادة كيميائية يمكن أن ينتج منها أو تدخل في صناعة أو تساعد على إنتاج المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية).

[2]  قانون المخدّرات والمؤثرات العقليّة رقم (23) لسنة 2016، المادة (21/ج) وتنص على:(للنيابة العامة أو المحكمة بعد إحالة القضية  إليها إلقاء الحجز التحفظيّ على أموال المُشتكى عليه في أيّ جناية من الجنايات المنصوص عليها في هذا القانون وأصوله وفروعه وزوجه ومنعهم من السّفر إلى حين استكمال إجراءات التّحقيق والفصل في الدّعوى وللمحكمة أن تقرّر مصادرتها).






المحامي سيف الجنيدي 

المركز الوطني لحقوق الإنسان  


رجوع    

 
   Powered by Raya Solutions