كلمة المفوض العام في مؤتمر حرية الرأي والتعبير في العالم العربي

كلمة المفوض العام

في

مؤتمر حرية الرأي والتعبير في العالم العربي

الدوحة :22-23/3/2015

 

الأستاذ رئيس الجلسة

السيدات والسادة الحضور الكرام،

لا يوجد وصف واحد يمكن أن يطلق على واقع حرية التعبير في الأردن خلال العقد الأخير، أو حتى منذ الربيع العربي وقبله قليلاً. فالأمر يتغير صعوداً وهبوطاً حسب التطورات الداخلية في الفترة الأولى وأثناء الربيع العربي وحسب التطورات الإقليمية مؤخراً.

فقد شهدت المملكة في فترات حالة انفراجوانفتاح في مجال حرة التعبير ومرافقاتها حرية الرأي وحرية الكلام وحرية الصحافة، لدرجة وصف المعهد العالمي للصحافة (IPI) الصحافة الأردنية بأنها الأكثر انفتاحا بين الصحافة العربية في مرحلة ما قبل الربيع العربي.

لكن حرية التعبير والحق في حرية القول والرأي قد تعرضتا لكثير من الجزر وقليل من المد في السنوات الأخيرة.

ففي عام 2009 أصدر الملك عبدالله الثانيمرسوماً ملكياً يمنع بموجبه حبس الصحفيين.لكن الحكومة أقدمت على عدة خطوات، سواء بحق الصحافة والصحفيين أو بأقرانهم من نشطاء الحراك السلمي أدت إلى تراجع تصنيف المملكة في تقارير الرصيد العالمية. ففي تقرير Freedom House of the Press 2011 جاء تصنيفالأردنفي المرتبة الخامسة من بين 19 دولة في منطقة الشرق الأوسط.

والحقيقة أن المركز الوطني لحقوق الإنسان تابع ويتابع حالة حرية التعبير في المملكة عن كثب. وقام بتغطية التطورات في هذا المجال في تقاريره السنوية بشكل موسع، لا سيما في أخر تقرير له عن العام 2012. وضم هذا التقرير عدة توصياتمنها :إنشاء غرفة قضائية خاصة بمحاكمة الصحفيين، تسهيلاً لممارسة القضاء لدوره في التعامل مع مخالفات ووسائل الإعلام والصحفيين،وإنقاص مدد تقديم اللوائح وتبادلها أمام محكمة البداية الى النصف ( التقرير للعام 2012 ص 63 ). وعدلت الحكومة قانون محكمة أمن الدولة لتحصر ولايتهابخمسة جرائم هي : التجسس والخيانة وتزييف العملة والمخدرات والإرهاب.

لكن رصد المركز للانتهاكات التي وقعت في هذا المجال وجد أنها تركزت في ناحيتين : الأولى تبني عدد من التشريعات التي، وأن كانت محدودة، فقد كان لها أثر ملحوظ على حرية التعبير من حيث تضييق المساحة التي كانت متاحة سابقاً أمام المواطنين – صحفيين أو نشطاء سياسيين أو مجرد محتجين سلميين. والثاني تمثل بتغليظ العقوبات وتشديد المتابعة بحق من يقومون بانتقاد السلطات (الاردنية أو الدول الأجنبية)، لاسيما القادة والمسؤولين وحتى المؤسسات.

لقد قامت الحكومة في أيلول من عام 2012 بتعديل قانون المطبوعات والنشر مطالبة المواقع الإلكترونية بضرورة التسجيل والحصول على ترخيص لدى السلطات. وقد جاءت تلك الخطوة التي قدم المركز مطالعة بشأنها شدد فيها على ضرورة عدم اشتراط الترخيص لممارسة مهنة الصحافة مع أهمية الإلتزام باحترام الكرامة الإنسانية من حيث تحاشي القدح والذم والتشويه والتشهير بدون دليل والتفريق بين النقد والشتيمة أو الإتهام الباطل. والمطلوب هنا ليس أن يقدم الصحافي أو الصحفي أو صاحب الحق الدليل مسبقاً. لكن الأ يصدر الإتهام أو الحكم بالإخلال بالمسؤولية أو ثبوت الجرم قبل التحقيق ومن قبل القضاء.

لذلكقوبلت خطوة الحكومة تلكوالتي جاءت على أثر تزايد الشكاوى من مختلف القطاعات المدنية والتجارية وأصحاب الأعمال بحق عدد من المواقع بسبب قيامها – المواقع - بالتعدي على حريات الأخرين والطعن بكرامتهم وتشويه سمعتهم بشيء من الدعم الشعبي بالرغم من عدم حماس المجتمع لأي تضييق على حرية الرأي والتعبير بشكل عام.ففي حالات كانت هناك أو ادعاءات من قبل أشخاص وجهات رسمية وغير رسمية على حد سواء بأن عمليات إبتزاز مالية وسياسية وأخلاقية قد ارتكبت من قبل مواقع الكترونية محدودة.

وأشتكى البعض بأن السلطات قد استغلت حالة الامتعاض المتنامية أنذاك من عدد محدود من المواقع لتقلص مساحة النقد الذي لم يكن جميعه في غير محلة ؛ لا بل كان هناك ترحيب بعملية النقد التي قامت بها مواقع متزنة وبشكل موضوعي لأنها سلطت الضوء على العديد من قضايا الفساد والمخالفات الإدارية الكبيرة التي إرتكبها مسؤولون إستغلوا مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية.

لكن شكوى الصحافة والنشطاء والنقابيين وحتى قطاع واسع من الجمهور أنه بالرغم من أن الدستور الأردني يوفر الحماية لحرية الصحافة، حيث شددت التعديلات الدستورية للعام 2011 على أهمية الإلتزام بحماية حقوق الأردنيين وعدم المساس بحرياتهم كما جاء في المادة التي أضيفت رقم 128 والتي نصت على ألا يمس أي قانون يتم سنة بجوهر الحق الذي ينظمه هذا القانون إلا أن الحكومة قد تراجعت عدة خطوات عن هذا الإلتزام. فقد جرى تعديل قانون العقوبات عام 2010 لتغليظ العقوبات ضد ليس فقط الأفراد بل وبحق أشخاص معنويين ومؤسسات. وفي عام 2014 عدل البرلمان قانون مكافحة الإرهاب (30/4/2014) ليصار إلى التوسع في تعريف جريمة الإرهاب لتشمل تعكير صفو علاقات الأردن مع دوله أجنبية.وجاء التعديل بتشديد العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات " لتمكين الأردن من التعامل مع تدفق المقاتلين العائدين من سوريا " على حد قول وزير الدولة لشؤون الإعلام.وهكذا جاء التبريرللسياسة المتشددة الجديدة بحق مخالفات الإعلام تحت القيود وعلى حرية التعبير هذه المرة تحت دواعي الجيوسياسية أكثر منه التجاوز على القيود المفروضة على حرية التعبير بموجب المادة 19/حـ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. فمن المعروف أنه لا يوجد حرية تعبير مطلقة. فالمادة 19/ج من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تنص على تقييدات على حرية التعبير. لكن هذه التقييدات وضعت عليها في ذات المادة قيوداً أو شروطاً بحيث أصبحت الحرية هي الأساس والتقييد هو الاستثناء.لكن تعديل قانون مكافحة الإرهاب الذيأضيف اليه مواد تجعل من السهل محاكمة أشخاص على جرائم بسيطة باعتبارها أعمال إرهابية جعل من الحق هو الإستغناء عن القيود هي القاعدة. كذلك هناك غموض في مواد قانون العقوبات مما جعل البعض يرى - وليس بدون وجه حق – أن السلطات قد توسعت في الاستثناءات وفي تقليص مساحة الحرية بدواعي القلق لاعتبارات الأمن الوطني في أكثر الأوقات، ولحماية النظام العام والأخلاق في حالات محدودة.

لقد جرى اعتقال نشطاء الحراك في الربع الأخير من العام 2012 على خلفية المطالبة بالإصلاح ومحاكمتهم من قبل محكمة أمن الدولة، واستمرت هذه الممارسة ولو بشكل محدود ومتقطع حتى بداية العام الحالي واستخدمت الحكومة مواد من قانون العقوبات رقم 16 لعام 1960 حول التجمهر غير المشروع وتقويض نظام الحكم وإثارة الشغب وكذلك إطالة اللسان لمحاكمة مدنيين انتقدوا – وربما تطاولوا – على رأس الدولة وشخصيات عامة رفيعة. فلقد وضع أمام فرق المركز أثناء متابعاتها عملياتاحتجاز بعض الأشخاص أدلة تشير إلى لجوء هؤلاء إلى الشتم والسب والقدح المسيء للشخصية وللسمعة والتجريح في بعض الحالات. وكانت الحكومة قد عدلت القانون المذكور عام 2001 لفرض غرامة على الصحفيين تصل إلى حد 20.000 دينار أردني في حال الحكم بالتشهير وتشويه السمعة والمس بالكرامة لشخصية عامة. ولاحظ المركز أن السلطات كانت ولفترة قريبة تسمح بمساحة واسعة للنقد وكذلك التغاضي عن الإساءة الشخصية والمس بالسمعة والكرامة. لكن أشخاصاً قلائل خاصة من بين نشطاء الحراك كانوا يتعرضون للتوقيف والإحتجاز وتوجيه اليهم تهم مثل "إطالة اللسان" أو "تقويض نظام الحكم" أو "التجمهر غير المشروع وإثارة الشغب"، ولم تتوفر أمام المركز الفرصة للتحقق من صحة هذه التهم أو من صدقية إنكارها. ولكن محكمة أمن الدولة التي تولت مؤخراً النظر في مثل هذه القضايا وضمن مفهوم جريمة الإرهاب قد أصدرت أحكاماً مخففة بحق هؤلاء بحيث أمكن تحويل هذه الأحكام إلى غرامة مالية.

اخيراً، يمكن للمرء أن يلاحظ أن التشدد الحكومي في العقوبات والتقيدات على حرية التعبير كان يأتي كرد فعل على تطورات معينة تقع في المجتمع وعلى صعيد ممارسة هذه الحرية يتجاوز فيها اصحاب الحق أحياناً الإطار أو السقف الذي تسمح به المعايير الدولية.

لكن الإجراءات التي تتبناها الحكومة خاصة في التشريع تخالف المعايير أيضاً وذلك بإحالة المخالفين إلى محكمة أمن الدولة وبتوسيع نطاق الجنحة لتصبح جريمة.

كل هذا يمكننا من القول أن إجراءات الحكومة قد تكون سليمة من حيث المبدأ الذي تنطلق منه لكنها معيبة بطريقة التطبيق.