المفوص العام يشارك في مؤتمر الحوار العربي الامريكي الايبيري الثالث للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان

شارك د. موسى بريزات، المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الانسان، في مؤتمر الحوار العربي الامريكي الايبيري الثالث للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان حول مناهضة خطاب الكراهية والتطرف الذي انعقد في قطر بتاريخ 15/9/2015، والذي اسضافته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر بالتعاون مع الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وبمشاركة أكثر من خمسين مؤسسة وطنية من الأمريكتين والمنطقة العربية.

وفي ما يأتي كلمة المفوض العام في الجلسة الافتتاحية وكذلك الورقة التي قدمها في المؤتمر بعنوان الدين ( الاديان )، الهجوم على الاسلام والمسلمين وعلى الرموز الدينية بين خطاب الكراهية وبين حرية التعبير .

كلمة د. موسى بريزات / رئيس الشبكة العربية لحقوق الانسان

في

الجلسة الافتتاحية

مؤتمر الحوار العربي الامريكي الايبيري الثالث للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان

حول مناهضة خطاب الكراهية والتطرف

15-16/9/2015

الدوحة – قطر

مقدمة :

يشرفني أن اتحدث في هذا اللقاء الهام باسم اعضاء الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان وأن اشكر اللجنة الوطنية لحقوق الانسان في دولة قطر الشقيقة على استضافة هذا اللقاء الثالث للحوار العربي – الأيبرو امريكي .

لقد حالف المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في كل من البلدان العربية الممثلة في الشبكة العربية والمشاركة في هذا الحوار ونظيراتها في الأميركتين التوفيق في اختيار " مكافحة خطاب الكراهية والتطرف " كموضوع لهذا الحوار العربي- الامريكي الأيبري الثالث الذي تستضيفه اللجنة الوطنية لحقوق الانسان في دولة قطر الشقيقة .

تواجه المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان العربية التي أخذت على عاتقها النهوض بحالة حقوق الانسان في المنطقة العربية تحديات لا يستهان بها في هذا الشأن. لكن التحديات والصعوبات سواء التشريعية أو المؤسسية أو الثقافية وحتى اللوجستية لم تفت في عضد هذه المؤسسات والقائمين عليها ولم تحد من قدرة هؤلاء على تنفيذ خططها الاستراتيجية والعملية وبرامجها في مختلف المجالات ، لا سيما الارتقاء بحالة حقوق الانسان في المجالات المدنية والسياسية أو الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك حقوق الفئات الاكثر عرضة للانتهاك .

وقد امكن جراء نشاطها وعملها الممنهج والدؤوب رفع درجة الوعي على الصعيدين الرسمي والشعبي بأهمية الارتقاء بحقوق الانسان هذه في الوطن العربي سواء من خلال متابعة ورصد مدى تطبيق الدول العربية لالتزاماتها تجاه مواطنيها وجميع من يقيمون على اراضي هذه الدول بموجب دساتيرها وبما ينسجم مع معايير حقوق الانسان التي تكفلها الصكوك والمواثيق الدولية ذات الصلة سواء بسن التشريعات المنسجمة مع هذه المواثيق والاتفاقيات الي ابرمتها الدول وصادقت عليها أو بحث تلك التي لم تصادق على القيام بذلك . كما أحرزت الشبكة العربية تقدماً ملموساً في تنفيذ استراتيجيتها الأولى للأعوام 2013-2016 لاسيما تعزيز التعاون والتنسيق بين المؤسسات الوطنية الشقيقة وبناء القدرة والتصدي لموضوعات اساسية تهم المنطقة العربية كمسألة الأمن وحقوق الإنسان ، حرية التعبير والعقبات التي تعترضها ، حقوق المرأة .

لقد جرى نتيجة لجهود هذه المؤسسات والمبادرات التشاركية مع شركاء اخرين ( وطنيين ودوليين) تقدم ملموس على الصعيد الوطني أيضاً في كثير من المجالات وعلى صعد مختلفة من بينها : حماية حقوق المرأة والطفل والحريات الأساسية مثل حرية المعتقد والانتخاب وإنشاء الجمعيات والاحزاب والاتحادات وتوسيع المشاركة العامة في القرارات التي تمس حياة المواطنين ، والتقدم في ضمان استقلال القضاء . وإن بدى التفاوت ملحوظاً في مدى التقدم والانجاز بين دولة عربية واخرى في هذه المجالات. وقد عزز الربيع العربي من قابلية النخب الحاكمة والأنظمة السياسية والحكومات للتجاوب مع دعوات الجمهور ومطالبته بالإصلاح ومحاربة الفساد وتبني معايير الحاكمية الرشيدة وإخضاع المسؤولين للمساءلة من قبل المواطنين . أما الاهتمام بالحق في تأمين مستوى لائق من الرعاية الطبية للمواطنين وفي توفير التعليم المناسب للجميع وكذلك محاربة الفقر والبطالة والاهتمام بالأشخاص ذوي الاعاقة وإلى حدما بضمان بيئة سليمة . فقد كانت قضايا على سلم أولويات المؤسسات العربية كافة.

السيدات والسادة ‘

رغم هذه الانجازات الملموسة والتي تمت وفي اطار زمني قصير نسبياً فأن الطريق أمام هذه المؤسسات لا يزال طويلاً لتحقيق درجة متقدمة من اهدافها الكلية بحيث تصبح المنطقة العربية منطقة صديقة لحقوق الانسان. مواطن ومقيم وزائر وسائح وعامل مهاجر ولاجئ.

II

وفي اطار تعزيز قدراتها للتعامل مع هذه التحديات لم تستثني هذه المؤسسات العمل والتواصل على الصعيدين الاقليمي والدولي ، ويعتبر هذا الحوار العربي الأيبرو – امريكي مثالاً حياً على ذلك وقبله الحوار العربي – الأوروبي الذي عالج قضايا حساسة وهامة للطرفين مثل "الارهاب وحقوق الانسان"، "التمييز العنصري وحقوق الانسان"، "الهجرة وحقوق الانسان"، "حقوق العمال المهاجرين" و"حقوق المرأة".

فإن الحوار العربي الأيبرو- أمريكي يمثل – انطلاقة على طرق ممهد أخرى للمؤسسات الوطنية في المنطقتين. فرغم أن القضايا التي تستأثر وتستحوذ على اهتمام الطرفين ليس فقط تمثل بشكل عام هموماً مشتركة تتقارب الرؤى والمصالح بشأنها بل وربما تتطابق في كثير من الأوقات. وبخلاف الحوار العربي الأوروبي الذي نها عالج قضايا ذات اهتمام مشترك في اطار اختلاف على القل التفاوت في الرؤى والمصالح ليست بالضرورة منسجمة تماماً كما هي حال حوارنا هذا .

لهذه الاعتبارات خطى هذا الحوار خطوات سريعة منذ الانطلاق حيث أقر هذا الحوار النظام الداخلي بسرعة وأنشأ لجنة التنسيق والمتابعة . كما استقر الرأي على مجالات العمل المشتركة من اجراء البحوث والدراسات والتقصي والتحري حول انتهاكات حقوق الانسان في المنطقتين وتقديم التوصيات المناسبة بشأنها بما في ذلك دراسة مشاريع القوانين والتشريعات القائمة من أجل تبادل الخبرة والاطلاع على أفضل الممارسات في ميدان مواءمة هذه التشريعات- سواء المقترحة أو النافذة - مع المعايير الدولية لحقوق الانسان حول حقوق المرأة ، والعمال المهاجرين ، والسكان الأصليين وحق تقرير المصير، والاتجار بالبشر. وفي اطار التنفيذ العملي لهذا التوجه وترجمة هذه الارادة المشتركة الى واقع ملموس عُقد لقاءين هامين احتضنت الدار البيضاء وباستضافة كريمة من المجلس الوطني لحقوق الانسان في المغرب الشقيق اللقاء الأول. وقد اطلق ذلك اللقاء مسيرة التعاون والتنسيق بين الطرفين لاسيما في المجالات الثقافية والاجتماعية حيث تربط المجتمعات الوطنية في المنطقتين قواسم مشتركة في هذه المجالات كافية لتسند حواراً مثمراً ومجدياً دائماً بينهما ، سواء في الاطار الاقليمي الثنائي أو في اطار لجنة التنسيق الدولية التي تعتبر الاطار التنظيمي الأوسع للتعاون الشامل بين المؤسسات الوطنية الممتثلة لمبادئ باريس. وعلى هذا الصعيد الأوسع في مقدمة كلمتي هذه لا سيما التوافق في الرؤى والأوضاع والتقارب في الثقافات. وتبرز قضايا مثل مكافحة التمييز وعدم المساواة والتعصب العرقي والعنصرية ومكافحة الارهاب وحظر خطاب الكراهية والتطرف كقضايا تمثل اهتمامات مشتركة لكل الفرقاء إلا أن التعاون بين المنطقة العربية ومنطقة الأمريكيتين يمهدان بشكل أفضل للتوافق الأوسع هذه القضايا للأسباب التي ذكرتها.

ويجب الا ننسى المسائل اللوجستية والاعمال المؤسسية والتنظيمية في اطار لجنة التنسيق الدولية كقضية الاعتماد وإعادة الاعتماد التي يجب أن تسيير بشكل منتظم ومحكم وبما يكفل الفرص المتساوية للجميع للدخول الى هذه الهيئة المحترمة مع التفعيل المتوازن المبدئي لمبادئ باريس التي تشكل مع الفاعلية والنشاط على الصعيد الوطني الضمانات الاساسية لتمتع مؤسساتنا هذه بالشرعية والمصداقية دولياً ووطنياً . فإذا كانت الشرعية الدولية من خلال لجنة التنسيق الدولية متطلباً اساسياً لقيام اي مؤسسة وطنية فإن النجاح والفاعلية وطنياً هي امر جوهري وركيزة لا بد منها لتكمل مع الشرعية الدولية الصورة النموذجية للمؤسسة الوطنية لحقوق الانسان في اي دولة. فالدعم والقبول والثقة مجتمعياً منطلق مؤسساتنا ومثل ذلك وشهادة الولادة الوطنية لكن الشرعية الدولية هي منشط ومحرك هذه الدينامية الوطنية ولا يمكن لاحدهما ان تفي دون الأخرى بالغرض. فالاعتراف الدولي على صعيد المؤسسات الحكومية وغير الحكومية بالمؤسسة لا يقل أهمية عن قدرتها على تحقيق الإنجاز وطنياً.

السيدات والسادة ‘

اما هذا اللقاء الثالث فموضوعه ليلبي حاجة حيوية وملحة كونه اختار كموضوع له اشكالية لطالما شكلت تحدياً جدياً ليس فقط لمجتمعاتنا بل للأسرة البشرية قاطبة . فالعولمة التي قربت وحتى الغت كثير من الفروقات واختصرت المسافات وأزالت الحواجز الجغرافية والى حد ما اللغوية والاتصالية لم تستطيع ان تخترق الخنادق الثقافية والانتماءات الضيقة والنزاعات العنصرية في مستويات ومناطق مختلفة من العالم حيث بقيت دعوات العنصرية الانطلاق والتطرف واللامساواة والحث أو التحريض على الكراهية والتمييز على اسس مختلفة عرقية قومية ودينية وأثنية وإقليمية صعدت أحياناً لتبلغ أحيان درجة خطيرة بحيث ينتج عنها المساس بالكرامة وحتى وصلت الى درجة ممارسة العنف وما هو أكثر ضد الأخر افراداً كان هذا الأخر أو جماعة .

ويعتبر هذا الموضوع من الموضوعات التي تجابه الطرفين بل وجميع المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الانسان وحتى غيرها حيث تأثرت بنتائجها مختلف المجتمعات والجماعات في معظم دولنا.

فالعالم العربي والإسلامي والثقافتين العربية والاسلامية ومثلها ثقافات الشعوب الأصلية والمنطقة الأيبرو امريكية المنفتحة لم يظهر خطاب الكراهية والتعصب بهذه الحدة التي يظهر فيها في العلاقة بين الغرب والعالمين العربي والاسلامي. وقد خلت الثقافات التي ميزت مجتمعاتنا في جوهرها من حملات الكراهية القومية المنظمة كتلك التي عرفتها النازية والفاشية المعروفة والأنظمة العنصرية. وما وقع من ممارسات أو أحداث في ثقافاتنا في هذا الشأن فلم يكن ظاهرة بنيوية أو نهج أو نشاط ممنهج كما حصل في تاريخ أوروبا سواء القديم والحديث والذي كافحت الشعوب المتنورة هناك للتخلص منه.

ولكنها وأن تقدمت على صعيد محاربة هذه الأمة على صعيد العلاقات الأوروبية الأوزومية وفيما بينها أو على الأقل وضعت له حداً عن طريق القوانين والسياسات التي سنتها هذه الدول لهذه الغاية إلا أن هذه الممارسات لم تضعف تظهر تجاه الأقليات من اتباع ديانات وقوميات اخرى لاسيما العربية والمسلمة. لا بل نجدها في تزايد وربما في تسارع.

كما انتقل واستشرى هذا الوباء الى مجتمعاتنا ومنطقتنا العربية وعلاقاتها الداخلية بحيث اصبح وصمة ومبرر للانتقام وشن الحروب ولإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة .

واذا كانت مؤسساتنا الوطنية بحاجة الى مد الجسور والتواصل بشأن قضية تحظى بالأولوية فاعتقد أن مواجهة قضية خطاب الكراهية سواء كان ضد الأقليات الاسلامية والعربية في الخارج لاسيما في اوروبا وامريكا الشمالية بوجه خاص أو ضد الآخر خاصة الغرب المسيحي والاقليات العرقية والتاريخية التي عاشت في هذه المنطقة منذ الأزل وتعتبر مكوناً أصيلاً من هويتها الثقافية والاجتماعية هي هذه القضية .

وانني وان كنت مقتنعاً بحكمة الإقلاع عن اصدار احكاماً مسبقة حول هذه الظاهرة وحول وسائل مكافحتها سواء كان ضحاياها من الاقليات في الغرب او من هذه المنطقة على يد فاعلين – عادة مجهولين– من هذه المنطقة فإنني لا استطيع اخفاء أو تجاهل الطبيعة المدبرة لهذا الشر المستطير الطارئ. فسرعة انتشار افة التطرف وممارسة العنف بحق ابرياء على يد قوى تدعي الانتماء لأكثر الديانات والرسالات سماحة، عقيدة وعُرفت باحتضانها لإتباع الرسالات السماوية الاخرى وقامت في جوهرها على اعلاء الحق في الحياة والاعتراف بالآخر من اتباع الديانات التوحيدية فمن حقنا ان نتساءل عن حقيقة ما يمارس من اعمال منبوذة وغير مبررة باسم الاسلام تسيء الى الاسلام والمسلمين أكثر من اي طرف آخر في المقام الأول .

الحضور الكرام ‘

ختاماً، اعتقد انكم ستجدون في موضوعات هذا الحوار وجلساته التي اختيرت بعناية وفي الأوراق والمداخلات التي ستقدم سواء من هذه النخبة المميزة من الخبراء والمختصين أو من جمهور المشاركين والمتابعين والمستمعين ما يثري هذا اللقاء وسوف يمكنكم من النظر مجدداً الى مكافحة خطاب الكراهية بشكل افضل وأكثر جدوى لاسيما من حيث علاقته بحرية التعبير خاصة اين يلتقيا وأين يفترقا، سواء على صعيد قوانين الدولة الداخلية والقانون الدولي لحقوق الإنسان أو على صعيد السياسات للأطراف المعنية والممارسات وردود الأفعال. واذا ما استطاع هذا اللقاء أن يساهم في تكوين صورة أكثر شمولاً وواقعية وأقرب الى القدرة على مجابهة هذه الظاهرة الخطيرة التي تمثل احدى نقاط التماس الحرجة والأكثر قابلية للانفجار والاتساع بسرعة وبالتالي الأشد خطورة على التعايش والتعاون والتفاهم بين الشعوب والتواصل بين الثقافات وعلى الأمن والسلم الدولي فإننا نكون قد أدنيا رسالة جليلة ليس فقط على صعيد مؤسساتنا ومجتمعاتنا بل وللأسرة الدولية الأشمل . واعتقد انكم لن تتفاجؤا اذا ما اكتشفتم اننا جميعاً ضحايا لهذ الآفة سواء مستنا بصورة مباشرة أم لم تمسنا لأنها تهدد المستقبل لشعوبنا وبالتالي علينا ان نبحث في جذورها واسبابها لنكتشف مدبريها ومثيريها والمروجين لها والمستفيدين منها، علنا نستطيع تقديم اجابة معقولة للسؤال المتمثل بهل يكرهوننا ونكرههم لما فيهم فقط او بسبب ما فينا فقط؟ أم نتيجة للعلاقة غير السليمة وغير المتوازنة التي نشأت بين مجتمعاتنا وثقافاتنا وكياناتنا الحديثة في دولنا وبين الشرق والغرب عبر القرون الطويلة والعقود الحديثة لاسيما منذ تصفية رجل اوروبا المريض وقيام اسرائيل بهويتها الاستيطانية العنصرية .

---------------------------------------------------------------------------

 

 

 

ورقة د. موسى بريزات
بعنوان : الدين ( الاديان )
الهجوم على الاسلام والمسلمين وعلى الرموز الدينية
بين خطاب الكراهية وبين حرية التعبير .
في
الحوار العربي الامريكي الايبيري الثالث للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان
حول مناهضة خطاب الكراهية والتطرف
15-16 سبتمبر 2015 الريتزكارلتون
الدوحة – قطر


تسود منذ فترة مختلف المجتمعات وعلى نطاق المعمورة الواسع حالة مقلقة متمثلة بالهجوم على الاديان و/أو الاساءة الى رموزها . ولم يستثنى من هذا الهجوم أو الاساءة اي فئة أو طائفة أو مذهب . ولا تستطيع اي فئة أو طائفة أو أتباع اي مذهب أو معتقد ديني ان يتبرأوا من ممارسة مثل هذا الهجوم بشكل أو بآخر على الأخر . وقد أخذ هذا الهجوم أنماطاً مختلفة منها العنيف والمسلح ومنها اللفظي والخطابي . كما تعددت أوجه مثل هذا الهجوم حتى في حال النمط الواحد . فالعنف المسلح كما هو قائم الآن في منطقة الشرق الأوسط ، وخاصة في دول عربية عدة ، أخذ شكل الحروب الداخلية الأثنية والعرقية جاءت اما نتيجة الشعور بالغبن والتهميش أو تحريض من الداخل أو الأمرين معاً . وتمارس اشكال العنف والتصفية الجسدية هذه جميعها من خلال الارهاب واستهداف الأقلية من قبل الأكثرية ؛ أو بالانتقام من اتباع هذه الأخيرة من قبل أقلية ، ومن قبل أكثرية بحق أكثرية أخرى مضادة . أما الهجوم اللفظي فشمل التحريض على العنف والتشويه والإساءة للرموز والشخصيات الدينية . ولم تسلم من التدمير حتى أماكن العبادة والمقدسات الدينية والآثار التاريخية الدينية أو الثقافية التراثية . كذلك لم يسلم أتباع الدين الإسلامي في الغرب الديمقراطي من التصفية الفردية احياناً من قبل اشخاص عنصرين أو متطرفين . لذلك لا يمكن أن يخطئ المراقبون في تحديد المجتمعات الغربية في أمريكا الشمالية وأوروبا وكذلك المجتمعات الشرق أوسطية ( ايران والوطن العربي ) على انها أبرز ساحات هذه الظاهرة المقلقة بحق أتباع الرسالات التوحيدية الثلاث باعتباره الاخر وعلى يد الأخر ايضاً . إنه عالم ’هوبز‘ الفوضوي حيث الحياة قاسية ، شرسة ، خطيرة يسودها حرب الكل ضد الكل .
واذا كانت الحروب الداخلية الأثنية والمذهبية قد سيطرت على الساحة الشرق اوسطية مؤخراً فإن الشكل الأخر ( العنف اللفظي والإساءة والتشوية والحط من الكرامة والتمييز وحتى الإرهاب والتصفية الجسدية والانتقام والثأر ) تتصدر المشهد على الساحة الأورو – أمريكية .
غير أن هذا التمايز في أشكال الهجوم على الأخر والسعي للنيل منه بين المجتمعات الغربية والشرقية الذي تمارسه مليشيات وجماعات مسلحة وأفراد وربما تنظيمات سياسية لم يلغ حقيقة ان الناس في هاتين المنطقتين يتشاركون في بعد أخر يتمثل بوجود بيئة حاضنه لإشكال الهجوم على الآخر هذه وعلى صعيد المجتمعات الخاصة بكل طرف والكيان والدولة بما في ذلك مسؤولون وسياسيون ومشرعون . لذلك فإن الأمر اصبح خطيراً للغاية . ويعتبر الإنسان المحايد وحقوق الإنسان الضحية الأولى لهذا الواقع المؤلم.

واذا كان الفعل ورد الفعل في هذا السياق سمة مشتركة أيضاً بين الساحتين الآنفتين الذكر فان الساحة الأورو-امريكية أكثر ما تستحوذ على الفعل والمبادرة بينما يسود رد الفعل الانتقامي ، وإن كان الأكثر عنفاً ودرامية ، الساحة الشرق أوسطية .

i.
ان السطور السابقة القليلة لا تف هذا الموضوع حقه الذي يحتاج بحثه ووصفه بشكل دقيق الى أكثر من مجلد . لذلك تبقى هذه الورقة مجرد محاولة لولوج مسألة العلاقة بين مختلف الحريات الأساسية – حرية التعبير وحرية الرأي من جهة وحرية المعتقد والحرية الدينية بالإضافة الى الحق في المساواة وفي احترام الكرامة الإنسانية من جهة أخرى إحدى النوافذ الرئيسية – ولو المحدودة - لهذا البناء الضخم للعلاقة بين الأديان والثقافات وبين أتباعهما في ساحتين رئيسيتين على هذا الكوكب (سبق ذكرهما) وتسودهما حالة غير مسبوقة من التوتر . اذ تحتدم بينهما وفي داخل كل منهما صراعات عميقة وجذرية ذات طابع عقدي اجتماعي سياسي تاريخي ، بينما تجمعهما بالمقابل روابط ثقافية حضارية ومصالح مشتركة اقتصادية انسانية اعمق وأوسع يفترض ان تكون أولى في تحديد طبيعة علاقتهما الثنائية.
لذلك جاء اختيار مسألة الهجوم و/أو التهجم على الرموز الدينية الاسلامية والاساءة الى هذه الرموز في الغرب موضوعا للنقاش في هذه الورقة امام الحوار الثالث العربي– الأيبر- امريكي كمحاولة لتسليط الضوء على نقطة تماس حساسة بين العالمين الاسلامي والمسيحي وبين اوروبا والدول العربية أو ما تبقى من هذه الاخيرة وذلك بهدف إزله بعض ما اعترى هذا الجانب من سوء فهم وسوء ادراك في آن واحد . ناهيك عن استغلال قوى مختلفة هذه الظروف لممارسة حالة من الاستثمار في الخوف والتعصب والكراهية من جهة والتلاعب بالحقوق وبالحريات من جهة أخرى . مثلما تفعل السياسات الدولية وطبيعة علاقات الدول الكبرى ومصالحها فعلها في مصير العلاقة بين الطرفين .
وقد ظهرت هذه الحالة بصورة جلية في معالجة الاطراف (على الساحتين موضوع البحث ) للعلاقة بين مسألتين منفصلتين في الاساس لكنهما متلازمتين في أكثر من جانب وهما : ’خطاب الكراهية‘ من جهة ’وحرية التعبير‘ من جهة أخرى .

ii.
ان وقائع الهجوم والإساءة و/أو التشويه وحتى ممارسة العنف والإرهاب الفردي ضد المسلمين وضد الرموز الدينية الاسلامية لاسيما القران الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على الساحة الاورو-امريكية في العقدين الاخيرين متداولة ومعروفة . وقد حظيت هذه الوقائع بتغطية اعلامية واسعة كل في حينه. لذلك لا توجد حاجة لإعادة ذكرها بالتفصيل حيث يكفي ايراد في هذا المقام امثلة محدودة منها . فالكل يتذكر السيدة باميلا جيلر ( Pamela Geller) التي تقود حملة ضد المسلمين في ولاية تكساس الأمريكية وخارجها . ومثلها الممثلة برجيت باردو ( Brigitte Bordote ) الممثلة الفرنسية ، الشهيرة التي تقود حملة مشابهة في الساحة الفرنسية ، وكذلك البرلماني الهولندي جرت ولدرز( Geret Wilders) ومثله السياسي الفرنسي اليميني ( Le Pen ) وغيرهم ؛ كل هؤلاء وما قاموا به الى جانب الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة الى النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) في كل من الدنمارك عام 2005 وما قبلها وبعدها في مجلة تشارلي ابدو (Chalie Abdo ) الفرنسية .
لكن لا بد من الاشارة الى مكونات أو عناصر هذه الظاهرة منذ البداية تفادياً لزيادة سوء الفهم وتوسيع دائرة الاختلاف حولها . فتلك الاعتداءات ، جسدياً كانت أو تعبيراً لفظياً، كتابة أو رسومات كاريكاتيرية في الاعلام ، والصحافة ، أو خطابة أتت عادة بصيغة عمل ، وكمبادرة أنية ومن فئات مختلفة في الغرب ، بينما أخذ التعامل معها أشكلاً متفاوتة ومتباينة من قبل كل من الدولة ، والقضاء ، وكذلك المجتمع . فعلى صعيد الدول والحكومات الغربية تفاوتت ردود الفعل بين الادانة لمثل هذه الاعمال والشجب على انها تمثل شكلاً من أشكال خطاب الكراهية ودعوة لأثارة العنف وللتعصب والتمييز وحتى الاساءة لمشاعر الاشخاص من اتباع هذه الديانة ، واثارة الخوف والتسبب في الأذى للأخر وبين محاولة الدفاع عن مرتكبيها وتبريرها على أنها شكلاً من اشكال حرية التعبير . طبعاً باستثناء ما جاء على شكل اعمال عنف جسدي وهجوم مسلح ، وهو ما اتسمت به امريكا الشمالية من الساحة الاورو- امريكية اكثر من الجزء الاوروبي أو امريكا الجنوبية . في حين جاءت أعمال الاساءة والتشويه والهجوم على المسلمين والتخويف من الاسلام والمسلمين والاساءة للنبي محمد ( عليه الصلاة والسلام ) بصورة اكثر في دول اوروبا وفرنسا والدنمارك وهولندا وبلجيكا في الصحافة والاعلام وفي المنتديات السياسية والحملات الانتخابية .
اما القضاء الاوروبي – الوطني منه أو غير الوطني - كالمحكمة الاوروبية لحقوق الانسان فقد تفاوت تعامله مع مثل هذه الحوادث بحق المسلمين والرموز الاسلامية . فبينما اصدرت المحاكم الداخلية في دول اوروبا الغربية أحكاماً بإدانة مثل تلك الاعتداءات على اعتبار انها تشكل خرقاً للقانون الداخلي ( الوطني ) وباعتبارها جرائماً جنائية خالفت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان هذه الاحكام الصادرة عن المحاكم الداخلية في أوقات كثيرة وقامت بمنح الحماية لبعض مرتكبي تلك الاعمال ضد المسلمين والرموز الدينية للمسلمين استناداً الى المادة العاشرة (10) من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان (1959) التي توفر الحماية للحق في حرية التعبير . وقليلة هي المناسبات التي قامت بها هذه المحكمة برد التماسات المتقدمين اليها لنقض الاحكام الصادرة بحقهم عن المحاكم المحلية ومستندة في ذلك على المادة السابعة عشر (17) من الاتفاقية المذكورة التي تتعلق " بإساءة استخدام الحقوق" . وقد فعلت ذلك احياناً استناداً الى الفقرة الثانية من المادة العاشرة (10/2) التي تجيز وضع تقييدات على حرية التعبير لاعتبارات حماية السمعة الشخصية والكرامة الانسانية فقط . وقد استمر هذا التوجه سواء جاء الالتماس من شخص أو مؤسسة كانت الاساءات الصادرة عنهم موجه الى جماعة أو أفراد مسلمين أو بحق الرموز الاسلامية أو غير الاسلامية . غير أن مثل هذا التوجه من الالتماسات المقدمة الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد أحكام القضاء الوطني قليلاً ما قوبلت بالرد من هذه المحكمة في الآونة الأخيرة وخاصة منذ 11 ايلول 2001 ، سواء استناداً الى مبدأ " اساءة استخدام الحقوق " المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان ( المادة 17) أو الى الفقرة الثانية من المادة (10/2) من هذه الاتفاقية التي تجيز للدولة التدخل لوضع قيود على الحق في ممارسة حرية التعبير في حالات محددة .
وكمدخل لهذا التحول الجذري في تعامل القضاء وكذلك السلطات الحكومية مع هذه المسألة بدأت السلطات الحكومية والناطقون الحكوميون والمسؤولون مؤخراً في ممارسة الفصل بين الاساءة الى العقيدة الاسلامية والى رموز الدين ( كتدنيس القران الكريم والاساءة الى النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وتشويه صورته) وبين الاساءة أو الهجوم على الأقلية الاسلامية وعلى المسلمين كأفراد . فبينما استمر الرسميون الحكوميون في الغرب بإدانة الجانب الأخير وهو تهديد الأشخاص والإساءة للأقليات الاسلامية أخذ هؤلاء الرسميون يدافعون عن الهجوم والإساءة الى الرموز الاسلامية لاسيما تلك الموجهة للعقيدة الاسلامية والرسول الكريم والقران . ويبرر هؤلاء السياسيون والرسميون هذا الموقف بأن مثل هذه الأفعال هي محمية بموجب الحق في حرية الرأي والتعبير الواردة في الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان المادة (10) وفي الصكوك الدولية الاخرى ذات الصلة . وقد أخذ هذا التوجه مداه عندما بدى وكأنه يحظى بقبول مجتمعي ايضاً . وهذا التطور لا يمكن فصله عن تأثير الاعلام الغربي وسعة انتشاره عالمياً وتبنيه لحرية التعبير كحق غير قابل للتصرف من جهة والنظرة الى حرية التعبير على انها " ام الحريات " تتسيد على الحقوق والحريات الاخرى من جهة أخرى . ويمكن اضافة عاملين اخرين ساهما بشكل أو بأخر في اتساع هذا النهج الاورو-امريكي في التعامل مع الأخر ( الاسلامي في هذه الحالة ) هما : أولاً ضعف الاعلام في الدول الاسلامية والعربية بشكل عام وغياب الاجماع حقوقياً على مضامين الحريات الاخرى التي تتضمنها المواثيق والنصوص الدولية لحقوق الانسان بشكل أو بأخر ثانياً . وساهمت الصبغة العلمانية للعلاقات الدولية والجذور الليبرالية ( الغربية ) لمنظومة حقوق الانسان المعاصرة في ترسيخ هذا التوجه في النظام الغربي ومناطق أخرى . كذلك يمكن اضافة عامل موضوعي أخر ساهم في صعود ما يمكن وصفه بالتسيد لحرية التعبير على الحريات الاخرى وهو وجود رعاية غربية مستمرة ومستدامة لهذه الحرية ، ورعاية شبه أممية لها أيضاً في أوساط المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني وهيئات حقوق الانسان الاممية ولجانها المختلفة . وعزز مثل هذه الرعاية توفر الموارد المالية والبشرية الناشطة والملتزمة بهذا الأمر وتوظيف حرية التعبير بأكثر من طريقة ولو بطريقة انتقائية احياناً لأهداف سياسية وأيدولوجية . كل ذلك مقابل ضعف بارز في الموقف العربي في الاوساط الدولية وعلى صعيد الدبلوماسية متعددة الأطراف بسبب تلاشي دور الأنظمة العربية وتأثيرها على الصعيد العالمي . ويستتبع ذلك ما تعانيه المجتمعات في هذه الدول العربية والاسلامية والمنظمات المدنية من تحكم وسيطرة وتضييق من جانب السلطات الحكومية أو القوى التقليدية المحافظة ومجموعات المصالح في هذه الدول التي تقف عادة عاجزة عن الوقوف في وجه الطرف الآخر سياسياً . ودبلوماسياً وحتى عسكرياً . لا بل ارتدت الأكثرية من هذه الأنظمة في تحركها الى ساحاتها الوطنية والى مجتمعاتها لتحاسبها على ما تقوم به جهات فردية من اعمال انتقامية عادة ما تكون خارج القانون ! تنامت في الآونة الاخيرة بسبب غياب الموقف العربي الرسمي والاسلامي الموحد تجاه ممارسات الجماعات والهيئات – وحتى الدول – في الجانب الاخر من البحر المتوسط والاطلسي في آن واحد .

iii.
لذلك يصبح التساؤل حول موقع الاساءة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام وللقرآن في العلاقة بين حرية التعبير وحدودها وبين خطاب الكراهية ومضامينه في ممارسات الدول الاورو- امريكية امراً ملحاً في محاولة لتحاشي اتساع الشرخ القائم بين الشعوب والمجتمعات لدى الطرفين الغربي والاسلامي- العربي . وهنا يستدعي التسلسل المنطقي لهذا النقاش طرح السؤال مجدداً بشكل مباشر وعلى النحو التالي :
هل الهجوم والاساءة للنبي محمد وللقرآن وللرموز الدينية الاسلامية شكلاً من اشكال حرية التعبير أم ممارسة فجة وصارخة لخطاب الكراهية ؟ وبدراسة المعايير العالمية لحقوق الانسان بشكل عام وبما يخص كل من خطاب الكراهية وحرية التعبير على وجه التحديد ، الى جانب تحليل المستندات والركائز الموضوعية والافتراضات الاساسية لكل من ’حرية التعبير‘ ’وخطاب الكراهية ‘ يمكن القول بداية بدرجة كافية من الثقة أن الدوافع والنتائج لهذه الممارسات بحق الرموز الاسلامية هي اقرب الى خطاب الكراهية منها الى ممارسة الحق في حرية التعبير .
اما الأسانيد لهذا القول أو لوجهة النظر فتأتي على مستويين : الأول توضيح معاني خطاب الكراهية ومدلولاته واشكال التعبير عنه ، والثاني يتمثل ببيان حدود انطباق حرية التعبير ومجالات حمايتها في القانون الدولي الانساني .


أولاً : إهانة الرموز الدينية الاسلامية وخطاب الكراهية :
هناك تعاريف كثيرة لخطاب الكراهية يجري تداولها لكن الفكرة الأساسية لمثل هذا الخطاب تعني خطاب يؤدي الى الاساءة والذم والنيل أو الحط أو المس بكرامة أفراد أو جماعات والتحريض على الإقصاء أو التهميش أو التمييز بحق اعضاء هذه الفئات وبما يؤدي الى إثارة العداء أو العنف وملاحقة هؤلاء الأشخاص أو الجماعات وذلك على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو طائفي أو مذهبي أو على أساس النوع الاجتماعي سواء بهدف التمييز أو التحريض على العنف ضدهم أو التشهير بهم .
والمتمعن في هذا التعريف سرعان ما يكتشف ان خطاب الكراهية يمس بالهجوم بمنطلقات مبدئية وأساسية في منظومة حقوق الانسان مثل المساواة والحق في احترام الكرامة الانسانية وفي الاحترام لحرية المعتقد . كما يحرم خطاب الكراهية الجماعية أو الاشخاص المستهدفين من حقوقهم في مختلف اشكال الحماية الاخرى التي يتمتع بها الاخرون في المجتمع والتي توفرها حقوق الانسان ، وبالتالي فإن توجيه مثل هذا الخطاب بحقهم يؤدي الى خلق بيئة عدائية ضد هؤلاء سواء اماكن العمل أو في مجال التعليم أو غير ذلك .
والذي ينظر في الهجوم على الرموز الاسلامية سواء من خلال اعمال فنية مثل فلم "فتنة " أو رسوم الكاريكاتور في الصحافة الغربية للرسول (صلى الله عليه وسلم) أو حوادث تمزيق القرآن يجد انها أولاً موجهة ضد المسلمين مباشرة ، لاسيما الاقليات الاسلامية في الغرب مما يدحض حجة المسؤولين الغربيين والرسميين بالتفريق بين الاساءة الى ايذاء وتهديد المسلمين في هذه الدول -سواء كانوا افراداً أو جماعة- وبين انتقاد العقيدة الاسلامية أو الرموز الدينية الاخرى كالنبي والقران الكريم .
ويتأكد مثل هذا الفهم عندما يتضح ان ما يقوم به متبنوا هذا النهج أو السلوك لا يمارسون عملية نقد موضوعي لمنطلقات الدين الاسلامي وتعاليمه سواء تمثلت بموروث النبي في الاحاديث أو بأسس العقيدة الواردة في القران بل يقوم هؤلاء بالنشر بأسلوب ساخر يستهزئ ويقدح ويسيء ، وبالتالي يؤذي مشاعر اتباع هذه الديانة ، وربما غيرهم ممن يؤمنون بأهمية التسامح والتعددية الثقافية في اي مجتمع . ناهيك عن حقيقة أن طريقة التعرض لهذه الرموز لا تضيف شيئاً الى ما يعرف ’ بالحوار العام ‘ الذي هو أحد منطلقات ومبررات التأييد الكاسح لحرية التعبير في وجه التقييدات التي قد تفرض عليها للحماية من خطاب الكراهية .
ويتوافق الباحثون ان ما ينشر في وسائل الاعلام الغربي ضد الرموز الاسلامية يمس كرامة المسلمين مباشرة في الصميم أو هكذا ينظر اليه اتباع هذه الديانة في ارجاء المعمورة قاطبة . كما انه يحط من احترام المسلم لنفسه ويمتهن انسانيته خاصة اذا ما تقبل هذه الاهانة أو تساهل أو تغاضى عن مثل هذه الاساءات للعقيدة الإسلامية ولرموزها الاساسية القرآن الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) .
ولذلك تدخلت الحكومة الفرنسية في فترات سابقة ضد نشاطات السياسي اليميني (Le pen ) معتبره هجومه على الرموز الإسلامية وعلى الاسلام مثالاً حياً على ممارسة لخطاب الكراهية واصدرت المحكمة الفرنسية الداخلية بحقه حكماً قضائياً حيث ان هدفه البعيد حسب تفسيرات المحكمة المحلية هو محاربة الاندماج والتوطين للمهاجرين والذي يعتبر ضرورة في مجتمع ديمقراطي . وايدت المحكمة الاوروبية هذا التدخل من قبل السلطات الفرنسية واعتبرته صائباً ، واعتبرت العقوبة التي فرضتها المحكمة المحلية عقوبة مناسبة ، مبررة بذلك تدخل هذه السلطات ضد حق المذكور في حرية التعبير لان مواقفه واراءه تثير وتشجع وتحرض على الرفض والعداء والتمييز ضد الجماعات الإسلامية.
ومثل ذلك فعلت في وقت سابق الحكومة البلجيكية بحق تصريحات مسيئة للمسلمين وتمس مشاعرهم بالإساءة الى رموز الدين الإسلامي أطلقها المرشح فيرية ( Feret ) ، وايدت المحكمة الأوروبية هذا التدخل من قبل السلطات البلجيكية في القضية المعروفة . وفي وقت لاحق واصدرت المحكمة الأوروبية احكاماً مماثلة في قضايا شبيهة مثل قضية : (I.A.v.Turkey:no.4257,13 September 2005 ) حيث نشر مالك شركة ومديرها نسخة من كتاب يعالج مسائل ثيولوجيه عقدية وفلسفية بأسلوب روائي ساخر وهزلي حيث حكمت عليه محكمة استنبول المحلية بالإساءة الى الاله والدين والنبي والقران الكريم . وايدت المحكمة الاوروبية حكم هذه المحكمة . وجاء في حيثيات قرارها انه : " وان كان مطلوب من اتباع الديانات تقبل النقد وحتى انكار معتقداتهم من قبل الاخرين لكن ما هو مكتوب وجاء في هذا الكتاب اكثر من كونه لغة صادمة ومزعجة ومثيرة للقلق او تمثل رأياً مستفزاً بل هو هجوم لاذع على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وضم الكتاب هجوماً لاذعاً ومسيئا وغير مبرر على اتباع الديانة الاسلامية ... ، وان محكمة استنبول في مثل هذه الظروف باعتبارها الاجراء الذي قامت به كان هدفه الحماية ضد هجوم مسيء على رموز تعتبر مقدسة من قبل المسلمين قد أوفت بحاجة اجتماعية " .
ومثل ذلك فعلت المحكمة الاوروبية ايضاً عندما أعطت التأييد لقرار المحكمة الإقليمية منح حق السلطات النمساوية وضع اليد على فيلم يصور الذات الإلهية في الديانة اليهودية بشكل ساخر هو قانوني مستندة بذلك الى المادة 10/2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان " وذلك من اجل حماية الاخرين وذلك ضمان حماية مشاعر هؤلاء الدينية واعتبار مثل هذه الحماية تفوق المساهمة التي قد يوفرها هذا الانتاج الفني في ’الحوار العام ‘ وزيادة المعرفة " (Otto-Priuminger –Instit v.Austria(ser.A.295-A.1994 .
تقودنا الامثلة السابقة وأخرى غيرها كثيرة في تلك الفترة الى امرين هما :
أولاً : إن الممارسات التي تجري حالياً بحق الرموز الاسلامية هي ذات مساس واضح بكرامة المسلمين وجارحة لمشاعرهم وتعتبر ممارسة تمييزية نحوهم . وقد تثير العداء ضدهم ناهيك عن انها تسبب لهم الاذى وتشكل اساءة لكرامتهم الانسانية . وكانت المحاكم الوطنية وكذلك المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان تأخذ هذه الاعتبارات بمنتهى الجدية في السابق .
وثانياً ان القوانين التي تجرم خطاب الكراهية أو تحد منه أو حتى تحرمه تمس حرية التعبير . لكن في الوقت ذاته فإن المعايير الدولية لحقوق الانسان تخضع ممارسة هذه الحرية لقيود من أجل حماية حقوق الاخرين وكرامتهم من ممارسات تصب جلها في باب خطاب الكراهية وتعبر عن مضامينه . ناهيك عن ان الصكوك الدولية المعنية تحرم خطاب الكراهية بشكل قاطع (المادة 20/2 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ) . كما لمسنا كيف طبقت المحكمة الأوروبية هذه المعايير وتجاوزت الحماية الواسعة التي توفرها حرية التعبير لمرتكبي اعمال التحريض أو الايذاء للرموز الاسلامية عندما تعلق الامر بحماية حقوق الاخرين وسمعتهم .
وتعزز كثير من المعايير الدولية ذات الصلة مثل هذا النهج وهذا ما سيأتي توضيحه في الصفحات اللاحقة .
حرية التعبير والقيود الممكن فرضها من اجل اعتبارات الامن القومي والنظام العام والاخلاق وحماية حقوق الاخرين وشرفهم وكرامتهم الشخصية
ان حرية التعبير هامة وضرورية للفرد لاسيما فيما يتعلق بتطوره الذهني والعقلي ونضوجه الفكري ، ومثل ذلك فهي حيوية للمجتمع وللدولة ونظامها السياسي . وهي قيمة عالمية وحق لكل انسان . لكن اعتراها في التطبيق وفي مناسبات كثيرة ما يمكن وصفه عن حق " سوء استخدام الحقوق " كما جاء في المادة السابعة عشر (17) من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان انفة الذكر . ولذلك وضعت المادة العاشرة / الفقرة الثانية (10-2 ) من هذه الاتفاقية قيوداً على هذه الحرية لتحاشي اساءة بعض اشكال التعبير ’ للحرية ‘ ذاتها ولحريات اخرى اساسية وضرورية للفرد . كما جاء النص على مثل هذه التقييدات في المادة التاسعة عشر/ الفقرة الثالثة (19/3) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) . وهذا القيد هنا خاص بهذه المادة دون سواها من مواد العهد . غير أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) وضع قيداً عاماً على الحقوق والحريات الواردة فيه حسب المادة التاسعة والعشرين (29) منه . اما الاعتبارات والشروط التي تبيح القيود أو التقييدات – وإن بشروط - على حرية التعبير فهي معروفة ايضاً بالمقابل .
ولذلك لا بد أن يتساءل المرء هنا هل تنطبق اعتبارات تقييد حرية التعبير كما جاءت في المادة 19/3 اعلاه على الاساءة للرسول الكريم وللقران ولرموز العقيدة الاسلامية الاخرى ؟ وأن كان الجواب بالإيجاب ، وهو كذلك ، فلماذا تتغاضى الجهات الغربية عادة عن تطبيق هذه القيود ؟ لا بل تراها بدلاً من ذلك تلجأ الى تبرير تلك الاساءات ، وفي أغلب الأوقات ، من خلال اعتبارها ممارسة لحرية التعبير . لقد نص الاعلان العالمي (1948) في ديباجته على أن " الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع اعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو اساس الحرية والعدل والسلام في العالم ... وأن غاية ما يرنو اليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة " . إن هذه الكلمات الأولى الصريحة والقوية والواضحة وهي ما يمكن وصفة ’ بالبسملة ‘ ان جاز التعبير لميثاق حقوق الانسان العالمي لا يمكن أن يخرج معناها عن الآت تعني الآت :
I. إن الاعتراف بالكرامة المتأصلة في البشر كافة واحترام هذه الكرامة الانسانية حق جوهري من حقوق الانسان .
II. الاعتراف والالتزام بالمساواة بين البشر في الحقوق .
III. ان هناك فجر جديد قد بزغ يمارس فيه عامة الناس – وليس طبقة معينة أو نخبة أو أمة دون سواها- حرية الكلام والحديث والتعبير وحرية العقيدة والمعتقد .
IV. أخيراً الحق في التحرر من الحاجة والخوف حق اساسي ومثل هذا التحرر لا يمكن تعليقه أو التغاضي عنه.
تلك هي اسس الحرية أولاً على اطلاقها ( الحرية من الخوف والفاقة ، وحرية التعبير وحرية الضمير والوجدان والفكر والعبادة والمعتقد ) والعدل والسلام ثانياً وثالثاً . ان هذه العبارات الموجزة توجز بدون اي لبس مفهوم حقوق الانسان وفلسفتها على صعيد العلاقة بين الشعوب والأمم . فالمساواة في الحقوق وصيانة كرامة كل انسان هي مقومات واسس قيم الحرية والعدل والسلام بين الشعوب وبالتالي في العالم . ويوازي ذلك في الأهمية التأكيد في هذه الوثيقة الأممية التأسيسية لحقوق الانسان في مفهومها المعاصر ان احترام مثل هذه الحقوق والالتزام بها ضروري وبسلطة القانون " لكي لا يضطر المرء الى التمرد على الاستبداد والظلم " حسب ما يرد في ديباجة الاعلان العالمي .
وهنا يحل في المقام السؤال التالي : كيف تنسجم مسألة الاعتداء الذي يضع كرامة الانسان في المقدمة بالتهجم على والاساءة لما هو مقدس وجوهري والمثل الأعلى لأكثر من مليار مسلم مع هذا المفهوم العالمي لحقوق الانسان للحقوق كافة ؟ طبعاً ليس المقصود الغاء أو استبعاد النقد ، والتحليل ، والتمعن ، والتبصر في الوجود وفي مقومات وأسس اي معتقد ، أو دين ، أو فلسفة ، أو منهج حياة . فمثل هذا الأمر مقبول ومطلوب . وقد جرت وتجري ممارسته بخصوص الاسلام غيره من الأديان والفلسفات والمعتقدات على حد سواء وبحرية . وتبرهن على ذلك المؤلفات الواسعة الانتشار والمناقشات المستمرة منذ قرون والمختلفة والمتعارضة في كثير من المواقع والأحوال حول هذا الموضوع والتي ضمتها مجلدات ومحفوظات أغنت الحياة والمسيرة الانسانية على هذا الكوكب وملاءة رفوف المكاتب حول العالم. كما مارسها وتقبلها المسلمون ، العامة منهم والخاصة ؛ واتفق واختلف حولها كثيرون ، ولا قيود أو شروط على ممارسة ذلك تحت أي مسمى أو حجة .
طبعاً لم يكن غائباً عن رواد الفكر الحقوقي الاوائل من القرن الماضي ومن صاغوا اللبنات الأولى لمنظومة حقوق الانسان الحديثة ان الوصول الى مثل هذه الرؤية المشتركة ليس امراً روتينياً أو تلقائياً وليس بالإمكان أن يكون كذلك. لذلك ذكرّوا الجميع في النص الأساسي ذاته لهذه المنظومة ( الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، (1948) وفي مقدمته بأن " للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الاهمية الكبرى في الوفاء التام بالتعهد الذي قطعته الدول الاعضاء (في الامم المتحدة ) على نفسها بموجب الميثاق وبالتعاون مع هذه المنظمة لضمان استمرار مراعاة حقوق الانسان والحريات الاساسية واحترامها " .
(المواد 1 /2 ، 55/3 ، 68 من ميثاق الامم المتحدة ) .
وحتى لا يعتقد اي طرف ان بمقدوره تأويل النصوص أو تفسيرها بطريقة أو بصورة تدعم موقفاً مختلفاً أو متبايناً أو مصلحة خاصة أو رؤية أخرى غير المعنى المقصود والرؤية الواردة في الاعلان العالمي المشار اليه لاسيما كما جاء في المادة الاولى منه التي تقول " يولد جميع الناس احراراً ومتساوون في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا العقل والوجدان ، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بروح من الاخاء " . لقد احترز - واضعوا النص – من مثل هذا الاحتمال أو التصرف وأوردوا في كل من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966) مادة موحدة في كل الاتفاقيتين تنص على " ليس في هذا العهد اي حكم يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على اي حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة اي نشاط أو القيام بأي فعل يهدف الى اهدار اي من الحقوق والحريات المعترف بها في هذا العهد أو فرض قيوداً عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه " / المادة الخامسة- الفقرة الاولى ، (5/1 ) . وقد جاء هذا النص ليؤكد المادة الختامية الثلاثين (30) من الاعلان العالمي والتي تنص وبشكل صريح على " ليس في هذا الاعلان نص يجوز تأويله على انه يخوّل لدولة أو جماعة أو أفراد اي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف الى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه " .
اذا نحن هنا امام ثلاث حقائق اساسية كثيراً ما يجري تجاهلها أو تجاوزها في معرض سعي البعض لتبرير الإساءة الى الاسلام والرموز الاسلامية باسم حرية التعبير وهي :
أولاً : هناك حاجة ، لا بل ضرورة لالتقاء الجميع على فهم مشترك لما جاء في النصوص الدولية من حقوق وحريات باعتبار ان ذلك امراً بالغ الاهمية لتمام وفاء الدول الاعضاء بالعمل - ومن خلال التعاون مع الامم المتحدة - على ضمان تعزيز الاحترام والمراعاة التامتين لحقوق الانسان وحرياته الاساسية - وكما جاءت في كل من ميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اصبحت مضامينه قواعد اساسية من قواعد القانون الدولي العرفي ؛ كما هي حال غالبية مواد ميثاق الامم المتحدة ذاته .
وهنا لا بد أن يتبادر الى الذهن التساؤل التالي : هل الدفاع عن اعمال الاساءة والتشوية للقران الكريم ولصورة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) من قبل رسميين غربيين باسم الحق في حرية التعبير ينسجم مع هذه الدعوة للتوصل الى فهم عالمي مشترك من قبل الامم المتحدة والشعوب قاطبة لمضامين ومعاني حقوق الانسان ! طبعا لا . كذلك هل تتوافق التوجهات لتفسير بعض النصوص الواردة في كل من الاعلان العالمي والعهدين الدوليين المشار اليهما أنفاً بما يعني تسييد حرية التعبير ورفع شأنها وتقديمها على الحريات والحقوق الاخرى الواردة في العهدين المذكورين وفي الاعلان العالمي مع هذه الدعوة المفتوحة للمجتمعات وللدول معاً للتوصل الى فهم عالمي مشترك لمضامين ومبادئ وقواعد حقوق الانسان ؟ طبعا لا .
ويتأكد هذا الرأي أو الفهم ايضاً باستذكار ما جاء في النصوص المذكورة بشأن كل من حرية التعبير والحريات الاخرى . فالمادة الثامنة عشر (18) من الاعلان تنص على " لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ... " وكذلك النص الوارد في المادة الثامنة عشر من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) وبذات المضمون من حيث التأكيد على حماية الحق في حرية العبادة دون قيود . هذا في حين نجد ان المادة التاسعة عشر (19) في كل من الاعلان العالمي والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المذكورة المتعلقة بحرية التعبير . تضمن حق كل انسان في ممارسة هذه الحرية وبمختلف السبل والاشكال ولكنها تؤكد على امرين هما :
أ‌- إن ممارسة هذا الحق في حرية التعبير " تستتبع واجبات ومسؤوليات خاصة "
ب‌- جواز اخضاع هذا الحق في حرية التعبير لبعض القيود شريطة ان تكون مثل هذه القيود محددة بنص القانون وان تكون ضرورية وذلك بهدف تحقيق :
i. احترام حقوق الاخرين وسمعتهم .
ii. حماية الامن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة .
لكن لا بد من التذكير ايضا ان الحق في ممارسة الشعائر الدينية وبالتالي احترامها واحترام رموزها هو احد ابرز مظاهر حرية التعبير ، وبالتالي تصبح هذه الاخيرة احدى اليات ممارسة حرية المعتقد او الدين ، مثلما هي من بين مخرجاتها ايضاً . من هنا لا يمكن للمرء الا ان يعيد النظر في تلك القراءات غير المنسجمة مع نصوص حقوق الانسان الاساسية الدولية وبما يشي بأن هناك محاولة تبذل لتطويع هذه النصوص لأغراض غير تلك التي وضعت من أجلها خاصة عندما يتم تبرير مضامين مختلفة وممارسات تدخل في صميم خطاب الكراهية عن طريق الاستخدام غير المنضبط للحق في حرية التعبير .
لهذا كيف يمكن ان تتم الاساءة للدين ولرموزه و/أو لاتباعه باسم حرية التعبير ! ( المظهر الاساسي لممارسة الحق في حرية المعتقد )
ولا بد هنا من التنويه ان ما جاء من تقييد عام على الحريات جميعاً – بمن فيها حرية التعبير - في الاعلان العالمي ربما يتجاوز في قوته وشموليته التقييد الخاص المشار اليه اعلاه في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) بشأن حرية التعبير . فقد نصت المادة التاسعة والعشرين/ الفقرة الثانية (29/2) من هذه الوثيقة العالمية الهامة على " يخضع الفرد في ممارسته حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقرها القانون فقط لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والاخلاق في مجتمع ديمقراطي" . أو ليس من مقتضيات النظام العام والاخلاق ومتطلبات حماية حريات الاخرين وحقوقهم عدم اهانة الرموز الدينية المقدسة لاتباع مثل هذه الديانة أو الديانات وبالتالي اثارة المشاعر والتسبب في بروز الشعور لديهم بالتمييّز والاقصاء وحتى التحريض ضدهم والتسبب لهم بالأذى والاساءة والعداوة كما هو قائم الان في المجتمعات في اوروبا وامريكا الشمالية والمنطقة العربية والاسلامية .
اما الفقرة الثالثة من المادة التاسعة والعشرين الواردة في الاعلان الانفة الذكر فتتضمن انه " لا يصح بحال من الاحوال ان تمارس هذه الحقوق ( حقوق الانسان بدون استثناء) ممارسة تتناقض مع اغراض الامم المتحدة ومبادئها " . غير ان ما يتم التغاضي عنه في سياق السعي لتبرير خطاب الكراهية ضد الأقليات المسلمة في الغرب باسم حرية التعبير حقيقة إن حرية التعبير هذه التي تعتبر ضرورية للسماح للآراء والحوار والتفكير بالظهور الى العلن بحاجة الى حرية الدين التي هي احدى متطلبات الحق في الحياة والحق في التفكير ، وبالتالي في تمكين الانسان من ممارسة انسانيته بالنسبة الى الكثيرين من اتباع الديانات التوحيدية الثلاث. فلا قيمة لحرية التعبير عندما يكون الهدف من اعلاء شأنها الاساءة الى حرية اخرى لاسيما حرية المعتقد . كيف تستقيم الأمور بأن نعلي من الحق في التعبير بشكل يهدد كرامة الانسان ويبرر ما يمس شرفه وكرامته حسب المادة (17) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تنص على " لا يخضع اي شخص الى التدخل التعسفي أو غير القانوني في حياته الخاصة ... ولا لأي هجوم على شرفه وسمعته ؟ ماذا يفعل من يبرر خطاب الكراهية باسم حرية التعبير اذا كان اتباع الديانة الاسلامية ينظرون الى اي اساءة الى الاسلام ورموزه ويعتبرونها اخطر اشكال المساس بالكرامة والشرف والسمعة ! اذا نحن في مأزق وربما هناك اشكالية من نوع ما . فهل نحن بصدد مشكلة في النصوص ام مشكلة في النفوس ؟
فإذا كانت الحرية واحدة بينما للحق مفاهيم وتجليات وتبعات قد تنتهي في ظروف معينة الى تعارض بين هذه الحقوق . فهل يمكن أن نتحاشى السؤال عن جوهر هذه الاشكالية وحقيقتها ؟ هل هو في مبدأ الحرية ذاتها ام في مفهوم الحق وتجلياته وتطبيقاته ؟ ام أن مثل هذه الاشكالية هو في توظيف الانسان لهذه الحرية أو ذاك الحق ؟ أي هل التجاوز ناتج عن استخدام الحق في غير محله أم في اساءة توظيف الحرية ؟ ام في الممارسة للأمرين معاً ؟ طبعاً ستساعدنا الاجابة السليمة عن هذه التساؤلات في تحاشي الصدام الواضح بين قيم متعارضة ليتحول الأمر الى مسألة الإرادة السياسية والاستعداد وللتوفيق بين سلوكيات أو لتوضيح نصوص تشريعية . لكن مجدداً هل الأمر يتعلق بمسألة تشريعية أو بقضية تنسيقية فقط أم بإرادة سياسية ومصلحة في توظيف حقوق الانسان لأهداف سياسية – قومية أو أيدولوجية ؟ ان الاعتبارات المبدئية لأي بحث ينطلق من حصانة حقوق الانسان وسمو رسالتها بفرض الترفع عن الخوض في الاعتبارات السياسية والانانية في فرض تحليل مضامين هذه الحقوق . لكن هل بالإمكان تحاشي مثل هذا الاستنتاج في ضوء ما تم بسطه وتفنيده من نصوص مقابل ما يحدث من ممارسة على ارض الواقع في المنطقتين الأوروبية – الامريكية والشرق اوسطية ؟

iv.
إزاء هذه النصوص وغيرها مما جاء في المعايير الدولية والتي تدعو الجماعات والشعوب الى التوصل الى الفهم المشترك للحقوق وللحريات الواردة في الوثائق الاساسية لحقوق الانسان والتي تحظر ايضاً تقديم تفاسير مختلفة قد تعود الى اهدار أو هدم اي من الحقوق الواردة في تلك المواثيق . وكذلك تلك الفقرات التي تحث البشر على ان يعاملوا بعضهم بروح الإخاء (المادة الأولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان) ؛هذا بالإضافة الى تلك المواد التي تمنع أو تحظر التمييز " بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين ... " المادة (13) من الاعلان العالمي والمادة (26) من العهد الدولي لحقوق المدنية والسياسية ) . وفوق ذلك كله لا بد من استذكار تلك النصوص التي تحظر " بحال من الاحوال ان تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع اغراض الامم المتحدة ومبادئها " التي تعتبر اقامة علاقات ودية بين الامم المتحدة على اساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتعزيز الامن العالمي وتحقيق التعاون في حل المشاكل ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو الانسانية وفي تعزيز وتشجيع احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع بدون تمييز على اساس الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين .... الخ من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة ( المادة 1/3 من ميثاق الامم المتحدة ) .
إزاء كل هذه النصوص وما تتضمنه من قواعد ومبادئ هل يمكن قبول الادعاء بأن التهجم على رموز العقيدة الاسلامية بشكل جارح والتشوية والاساءة لثوابتها ومنطلقاتها وبأسلوب بعيد عن النقد الموضوعي ينسجم مع مبدأ التعاون الدولي لصيانة السلام العالمي ومع مبادئ الاخاء والتسامح وعدم التمييز ؟ لا أظن أن بالإمكان الدفاع عن هذه الممارسات تحت اي مبرر ، مما د يستدعي اعادة النظر في ما درج على قبوله من التفاسير والتعليقات والاجتهادات التي تأتي بها بعض اللجان الأممية أو بعض الخبراء كاجتهاد شخصي خاصة عندما تهدر مثل هذه التفاسير حقوقاً اساسية في المواثيق والصكوك الدولية كما شاهدنا . ولنتذكر مرة أخرى ما تنص عليه المادة (5) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية " لا شيء في هذا العهد يمكن تفسيره على انه يسمح لأي جماعة أو فرد الحق في القيام بأي نشاط يهدف الى هدر اي من الحقوق المعترف بها هنا ... " .
إن كثير من الاجتهادات والتفسيرات التي تأتي بها لجان الخبراء تناقض هذه المادة من العهد الدولي للحقوق المدنية المذكورة . ويستدعي هذا الأمر ربما ان تبادر الدول الاطراف في هذه المعاهدات الى إعادة النظر في هذا الخروقات التشريعية التي لا بد انها اذا ما استمرت- على المدى البعيد- مصداقية تلك المعاهدات والصكوك وتنال من جوهرها وترابطها . ولا بد ان نلمس بدايات لمثل هذا. بعد أن قررت دول عديدة من دول امريكا اللاتينية والكاريبي الخروج على بعض الاتفاقيات بسبب ما وصفته هذه الدول بالشطط القانوني ( over legalization) في موضوع حقوق الانسان وبشأن قضية محددة على سبيل المثال هي قضية الغاء حكم الإعدام النافذ في التشريعات الداخلية للدول ذات الاكثرية الكاثوليكية ، خاصة في ظل ارتباطها التشريعي على صعيد القضاء العالي بالهيئة التشريعية الانكليزية ( The Privy Council) قبل ان يتم الغاء هذا الترتيب مؤخراً .
وقد تكون هناك موضوعات قريبة من هذا ذهب الخبراء بشأنها الى تفسيرات وتعليقات تمس جوهر المعاهدات ذات الصلة والتي تمت صياغتها بإحكام وبترابط متين خاصة تجاه مسائل مثل موضوع زواج المثليين وغير ذلك من المبالغة في اعلاء اي حاجة للفرد او ميوله أو توجه باسم حرية التعبير وغير ذلك .
وهنا تعود الدائرة الى نقطة البدء لتغلق نفسها عند فكرة تتمثل بصعوبة استبعاد تأثير الاعتبارات السياسية والقومية أو الثقافية أو الايدولوجية الضيقة في هذا الشأن الامر الذي من شأنه ان يمس جوهر هذه المنظومة الانسانية العالمية الهامة والضرورية لحماية البشر من الظلم والتمييز والاضطهاد والاقصاء وسوء استخدام السلطة وغياب المحاكمة العادلة ومن ممارسة التعذيب ، وبالتالي التسبب ربما ودون وعي وعن غير قصد في خلق خطوط تماس متفجرة جديدة بين الأمم والشعوب والثقافات بدلاً من تعزيز جذور التعايش والتسامح والتعاطف بين هذه الشعوب والأمم والحضارات المختلفة .
واذا كان هناك حاجة لأمثلة على هذه المخاوف فما علينا الا ان تستذكر ما جاء على لسان الرئيس بوش الابن خلال حملته العالمية للحرب على الارهاب عندما دعا لشن ما وصفه ’بالحملة الصليبية‘ على الارهاب ( الاسلامي ) . وربما هناك مثال اقرب الى الاذهان في اطار الاستثمار السياسي لحرية التعبير للدفاع عن ما قام به محرر صحيفة تشارلي ابدو في نهاية العام 2014 والاحداث المأساوية التي تبعت نشر تلك الرسومات المسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وتمثلت بالقتل خارج القانون (المرفوض) لصحفيي الجريدة ومحررها ذاته . حيث تم عبر عملية دعائية سياسية محكمة هندسة مشهد انساني مؤثر في ساحة ’بولفارد فولتير‘ في مدينة باريس عشية مقتل 17 صحافياً وعاملاً في مجلة تشارلي ابدو(Charlie Abdo ) الفرنسية عبر عملية مدانة نفذها مجهولون قتلوا لاحقاً في مطاردة قام بها البوليس والجيش الفرنسي .
ففي مثل تلك الظروف القائمة على الدعوة للحشد الجماهيري والتعبئة النفسية والاعلامية عبر شحذ وتأجيج المشاعر الوطنية والقومية للأمة الفرنسية وللمجتمع الدولي ضد عدو غير محدد لكن يرمز الى دين متسامح واتباع لهذا الدين ليس لهم في المطلق اي علاقة بما جرى ويعز على المرء التفكير المنطقي والتعامل الهادئ مع مثل هذه الاحداث خشية من اسداء تهمة دعم الارهاب من جهة أو التواطؤ مع اعداء الدين والتساهل تجاه اساءة واضحة لخاتم الانبياء والمرسلين النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من جهة اخرى . وقد حدث هذا بالفعل في ذلك المناسبة المؤلمة عندما برزت حالة استقطاب واضحة بين الغرب والعالم الإسلامي ( باستثناء بعض الرسمين العرب الذي جاملوا فرنسا لاعتبارات دبلوماسية خاصة بكل منهم ) بينما كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المسؤول الوحيد الذي حاول استثمار الحادثة سياسياً بصراحة فجة بدعوة اليهود الفرنسيين للجوء الى اسرائيل حماية لهم وكذلك التشهير بالمسلمين والاسلام ولو بطريقة غير مباشرة .
وهنا نجد أن عاملين بارزين يساعدان المرء على استدعاء الشجاعة الادبية للتساؤل ايهما كان اولى بالاهتمام والتبصر في حال هذا المسلسل الدامي والمؤلم الذي بدأ في نشر المجلة الفرنسية المذكورة للرسومات المسيئة لرمز يعتبر اسمى الرموز لأكثر من مليار وربع مسلم ، وتطور هذا المسلسل بحدوث عملية تصفية خارج القانون لعدد كبير من محرري هذه المجلة وبالتالي الحيلولة دون محاولة فهم اسباب مثل هذه الممارسات المسيئة والدموية معاً . لننتقل بالمشهد مباشرة الى المظاهرة السياسية الحاشدة التي تصدرها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وذلك بهدف رفع شعبيته المتدنية حينئذ حسب استطلاعات الرأي العام الفرنسي من خلال استثمار هذه الواقعة المؤلمة لدرجة انه عتب على الرئيس الامريكي باراك أوباما لغيابه عن تلك التظاهرة السياسية القومية التي تمنى حضور هذا الاخير ومشاركته فيها حتى تكتمل الصورة التي ارادها هولاند وقيادة حزبه بإعادة انتاج مشهد 11 ايلول 2001 الدامي بكل مضامينه . وقد يكون غياب الرئيس الامريكي ربما لأسباب سياسية قومية ايضاً (وليس عملية) وذلك حتى يبقي هذا الرمز المأساوي احتكاراً امريكياً يبرر استمرار ما يعرف الحرب العالمية على الارهاب وبقاء قرار الاستمرار هذا في هذه الحرب أو وقفها من صلاحية السلطات الامريكية واختصاصها فقط دون منازع ! . لقد كان هذا المسلسل بحلقاته الثلاث سواء المؤلم والدامي منها . أم المضحك حق المبكي (السياسي ) منها بعيدا عن الاهداف ’الانسانية‘ والتي ادعى ابطال كل حلقة من هذه الحلقات الثلاث الاهتمام بها حصرياً .
فقد كان العامل الاول والأبرز المحفز لطرح هذا الرأي القائل بوجود اهداف ابعد من الدفاع عن حقوق الانسان وسيادة القانون هو التوظيف والتجيير – السياسي أو العنصري ، أو الاثنين معاً - الضيق والواضح - في هذا المسلسل . والذي تأكد بوجود رئيس الوزراء الاسرائيلي وخطابه السياسي الصريح وحتى المتحدي لمضيفة بدعوته الفرنسيين من اتباع الديانة اليهودية الهجرة الى اسرائيل . وهنا تستولي مرة أخرى القومية العنصرية والانتهازية السياسية للسيد بنيامين نتنياهو على المشهد الانساني . ولكن ما المانع اذا كانت الضحايا من صفوف اناس عاديين مسلمين ويهود ومسيحيين ! هذه هي عناصر العلاقة المرتبكة بين خطاب الكراهية وتشويه التعامل معه عبر حرية التعبير : صورة مركبة من مجموعة من التشوهات !

الغرب يصر على مقاربة حوادث وأفعال الاساءة للرموز الاسلامية وبالتالي للمسلمين التي تتم عبر الاعلام أو الاعمال الفنية المختلفة ومن قبل سياسيين وشخصيات عامة أو عادية من خلال مبدأ ’ حرية التعبير ‘ ! ومن قاموا بإعدام 17 شخصاً خارج القانون يفسر انصار الجماعات الاسلامية وربما كثيرون من اتباع الاسلام عملهم غير القانوني وغير الانساني على انه انتقاماً لما لحق بصورة الرسول الكريم وللإسلام من تشويه واعتبار اي ادانة اخلاقية مبررة تحت مسمى ان الارهاب سلاح الضعيف دائماً والمقهور من القوى المتسلطة . أما المظاهرة الشعبية السياسية الحاشدة في باريس التي تلت فقد صورت على انها تضاما ً عالمياً مع الشعب الفرنسي ورفضاً للإرهاب . والحقيقة أن الاساءة للنبي محمد ليست شكلاً من اشكال حرية التعبير اطلاقاً . فمن خلال القراءة المتأنية والمعمقة للصكوك العالمية التي تنظم مثل هذا الحق شاهدنا ان النص على حرية الوجدان( الضمير ) والفكر والمعتقد والرأي قد وردت بدون اي قيود . بينما ارتبطت حرية التعبير بقيود واضحة . ثم اخضعت هذه القيود بدورها الى تقييدات اضافية تتعلق بشرط بلورتها في قانون تستند مواده الى مفهوم الضرورة واعمالها في مجتمع ديمقراطي فقط . والكل يعرف ان القانون الموجود في فرنسا هو تمييزي وموجه لمحاربة ما يعرف بالغرب ’ باللاسامية ‘ المدعو لحق في حرية التعبير . والقراءة الأمينة والموضوعية لهذا التسلسل في الاباحة والتقييد لا يعني الا تأكيداً على اهمية هذا الحق من جهة وخطورته عندما يخرج عن اهدافه وغاياته من جهة اخرى وخاصة ليبرر اساءة عميقة صادرة عن خطاب يحرض على الكراهية . وكذلك تحذيراً لمن يريد وضع القيود على هذا الحق ان لم تأتي مثل هذه القيود في سياق الفهم السليم لهذه الثنائية الدقيقة للحق في حرية التعبير مقابل احترام حقوق الاخرين في حرية المعتقد والدين ومعاملة بعضهم بعضاً بروح الإخاء . كما أن قتل سبعة عشر (17) صحافياً ومدنياً فرنسياً خارج القانون لم ولن يكون عملاً مبرراً . فهو عمل خارج القانون وانتقام أعمى لا يقره الاسلام السمح . ومثل ذلك لم تكن المظاهرة الحاشدة تضامناً مع الامة الفرنسية تمت بطريقة عفوية بل تجمع جماهيري عالمي تم بهندسة ودبلوماسية جيدة لهدف سياسي محدود وبعيد عن حقوق الانسان.

إن اصرار صانعي القرار في الغرب على تبرير اعمال مثل الرسوم التي نشرتها الصحيفة الدنماركية قبل سنوات وكذلك فيلم " فتنة " للبرلماني الهولندي جرت فلدرز( Geret Willders ) على انها ممارسة لحرية التعبير لا يمكن أنينسجم مع دعوة الاعلان العالمي للدول للالتقاء على فهم مشترك لحقوق الانسان وحرياته ومع الدعوة بأن على جميع الناس ان يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء ؟
فإذا كانت حقوق الانسان قد انطلقت من " الاقرار بأن الكرامة الاصيلة والحقوق المتساوية لجميع اعضاء الاسرة البشرية يشكل اساس الحرية والعدل والسلام " كان على الغرب المدني والرسمي وهو يعرف ان المسلمين يعتبرون المس بالرسول وبالقران وبالرموز الدينية هو مساس بكرامتهم الا يتجاهل ويتغاضى عن تلك الاعمال المسيئة للرموز الاسلامية والا يترددوا في اعتبارها مثالا مؤكداً على خطاب يحث على الكراهية ويدعو الى العنف بدلاً من الاصرار –اعتباطاً- على تبريرها باسم حرية التعبير سيما وان مثل هذه الحرية هي مصانة لضمان حق الفرد في التماس ونقل واستلام المعلومات والافكار حماية لمصالحه وحقوقه الاخرى وليس للإساءة للأخرين والمس بكرامتهم ، أو حتى ما هو ابعد من ذلك ؛ بحيث يضعهم كأقلية في وضع يصبحوا فيه ضحايا محتملين للعنف والتمييز والتهميش ، ناهيك عن حقيقة ان لهذه الحرية بالرغم من عالميتها سياقاً ثقافياً محدداً ارتبط بفترة الاضطهاد الديني وعصور الظلام التي سادت اوروبا في القرون الوسطى والتي لم تشهد مثلها البلاد الاسلامية في تاريخها الممتد ، الا منذ فترة قريبة وذلك بعد ان احتضن الغرب مرشد الثورة الايرانية الامام الخميني ليرسله في الوقت المناسب ليبدأ مهمة تصدير الثورة الايرانية باسم الثورة الاسلامية ومن ثم لتبدأ مع ذلك الخطوات العملية لزراعة بذور الحروب اللاحقة بين ايران والعراق ومن بعد ذلك غزو العراق عام 2003 والتأسيس من قبل بوش الأبن وجماعته اليمين المتطرف للحرب على الارهاب بتدمير معالم النظام العربي المتهالك أصلاً وعلى رؤوس الملايين من القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين . وقد تبدو الاشارة التاريخية هنا مناسبة الى ان أول تهديد للنظام الاقليمي العربي المعاصر قد بدأ بانقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949 ضد نظام ديمقراطي في سوريا الذي نعرف الان انه تم بدعم من وكالة الاستخبارات الامريكية مثلما كان الانقلاب على رئيس الوزراء الايراني المنتخب عام 1956 . .
اما اقدام مجموعة غير معروف من يقف وراءها بقتل جهاز مجلة تشارلي ابدو فهو عمل اجرامي غير مبرر من المنظور الاسلامي ، ولا يبرره حتى تقصير فرنسا في وضع قانون يعاقب على الاساءة للرموز الدينية لأي ديانة أو حضارة انسانية باعتبار ان مثل هذه الاساءة تمس بكرامة اتباع تلك الديانة أو الفكر . علماً بأن مثل هذا الاجراء القانوني تتطلبه معايير حقوق الانسان ايضاً . فالمادة الثانية عشر من الاعلان العالمي تتضمن " منع تعرض اي انسان لأي حملات تمس شرفه وسمعته " ولمثل هؤلاء من اتباع الديانات الاخرى الحق في ان يحميهم القانون من مثل هذه الحملات .
ففرنسا التي شرعت قانونياً ضد الحجاب وشرعت أخر ضد انكار المحرقة لماذا لا تشرع لحماية كرامة اتباع الديانات السماوية عندما تقوم ظروف قد تحفز مثل هذه الحملات التي تمس كرامتهم عبر المس برموزهم الدينية أو حتى تهدد امنهم ووجودهم مباشرة !

اليس هذا تمييز واضح تعارضه المادة الثانية من الاعلان العالمي ذاته ؟

كما اليس من واجبنا نحن كمؤسسات وطنية لحقوق الانسان ان نقول هذه الحقيقة المعروفة جداً لكن فقط في الارشيف السري لكثير من المؤسسات الرسمي للجانبين الغربي والعربي/ الاسلامي .

نعم انها قضية حساسة بامتياز وكذلك قضية امن قومي للكثيرين . لكنها قبل ذلك كله مسألة حقوق انسان للبشرية برمتها ! وإن من مسؤوليتنا لا بل واجبنا ان نكشفها ونناقشها بموضوعية وتجرد علنا نساهم ولو بجهد بسيط لان يبصر اولي الامر الحقائق من منظور انساني يسبق الامني والسياسي والاقتصادي لان ما هو انساني هو ما يخدم تلك الاعتبارات اذا ما قصد منها حماية الانسان فعلاً ولكنها اذا ما استمرت على ما هي عليه اعتبارات لغايات غير انسانية فإنها ستهدم كل عندما تهدم هذه الاعتبارات ما هو انساني وبالتالي تحكم على نفسها بالفشل التام .

والله الموفق
اللهم اني بلّغت فاشهد