كلمة المفوض العام في اجتماع المائدة المستديرة لمناقشة وتقييم المدونة النموذجية قواعد سلوك رجل الأمن العربي المدونة العربية

كلمة د. موسى بريزات /المفوض العام في المركز الوطني لحقوق الانسان رئيس الشبكة العربية لحقوق الانسان
في
اجتماع المائدة المستديرة الذي ينظمه المجلس القومي لحقوق الانسان في مصر لمناقشة وتقييم المدونة النموذجية لقواعد سلوك رجل الأمن العربي المدونة العربية الاسترشادية لقواعد سلوك الموظفين العمومين

29/10/2015

القاهرة – مصر

 

اود ان اتقدم باسم الشبكة العربية وأمانتها العامة الى معالي الاستاذ محمد فائق / رئيس المجلس القومي لحقوق الانسان في مصر الشقيقة وباسمي شخصياً بجزيل الشكر على المبادرة بعقد هذه المائدة المستديرة لتمكين الخبراء في المؤسسات الوطنية العربية لحقوق الانسان ومن الهيئات والمؤسسات الحكومية العربية المختلفة للالتقاء والتداول بشأن وثيقتين هامتين لمجتمعاتنا وللموطنين في الدول العربية وكذلك للمقيمين في هذه الدول. وهاتان الوثيقتان هما:

· المدونة النموذجية لقواعد السلوك المتعلقة برجل الامن العربي .

· المدونة العربية الاسترشادية لقواعد سلوك الموظفين العمومين.

ان جميع من يعنيهم الامر داخل هذه القاعة وخارجها، وهم كثر، من مواطنين ومقيمين، نشطاء في مجال حقوق الانسان أو حتى من منتسبين لهاتين الهيئتين في الدول العربية سوف يتأثرون بنتائج مداولاتنا اليوم. ولا أبالغ إذا ما قلت ان مخرجات هاتين الوثيقتين إذا ما اقرت ووضعت موضع التنفيذ ستنعكس ايجابياً على نسبة كبيرة من المواطنين العرب وغير العرب في البلدان العربية. ولذلك ستسجل هذه المبادرة للمجلس القومي لحقوق الانسان في مصر وللشبكة العربية وأعضائها بالعرفان والتقدير.

كما انني لا اعتقد ان هناك توقيتاً مناسباً وأكثر الحاحاً لمثل هذه المبادرة من هذا التوقيت الذي اختاره المجلس القومي لحقوق الانسان بقيادة الاخ والصديق محمد فائق الذي تعرفونه جميعاً ويعرفه الكثيرون في مصر والدول العربية ودول اخرى عديدة كشخصية حقوقية وكمناضل ومدافع عن حقوق الانسان.

 

الزميلات والزملاء الأفاضل ‘

ان سلوك المعنيين بإنفاذ القانون مدنيين وعسكريين (رجال ونساء) وكما عرّفتهم الوثائق والصكوك الدولية النافذة يمس حياة كل فرد في المجتمع، سلباً وإيجاباً. فأي دولة أو مجتمع لا يمكن أن يعيش مواطنوها إلا في ظل القانون وحكم القانون. وتنفيذ القانون وإنفاذه – سواء بالانصياع أو الامتثال الطوعي له أو بالخضوع لسلطانه بواسطة أدواته – الشرطي والقاضي- أو بالاستفادة من ثمراته المتمثلة بالحماية والخدمات المختلفة لا يخلوا من الثغرات والتجاوزات عادة.

فهذه المهمة أو المهمات هي بشكل اساسي بيد أفراد من المجتمع ومن هؤلاء من يعمل مرتدياً الزي العسكري ومنهم من هو في السلك المدني وسلوك هؤلاء بحاجة الى تنظيم وضبط ومراقبة مستقلة قانونية وإدارية وشعبية وذاتيه .

وقد وضعت الحكومات والهيئات الرسمية اللوائح التنظيمية واتبعتها بالسياسات الادارية وبعضها ضمّن دستوره مواداً ونصوصاً لتنظيم وضبط مراقبة اداء هؤلاء الأشخاص. وأقول البشر، لأن البشر بالفطرة وبالطبيعة قابلون للوقوع في الخطأ.

كما أن القانون مهما اتسم بالشمولية والإحاطة لا يمكن ان يكون كافياً أو مانعاً بالمطلق من الوقوع في الخطأ، قصداً أو عن غير قصد. لذلك تلجأ الدول لآليات ووسائل تكميلية جوهرها اداري وجزء منها أخلاقي لسد الثغرات التي قد يعجز التشريع عن تلافيها لاسيما وأن عمل الاشخاص والهيئات المكلفة بإنفاذ القانون والتعامل مع الجمهور في سياق توفير الحماية و/أو الخدمة تحيط به وترافقه اعتبارات تجعل من مثل هذا العمل امراً محفوفاً (خاضعاً) باحتمالات الوقوع في الخطأ والاساءة، وانتهاك القانون الذي كُلّف الفرد بتنفيذه وبالتالي إيذاء المواطن والمجتمع بدلاً من حمايته. فهناك مبدأ تضارب المصالح، وكذلك مدى الكفاءة والولاء للمهمة أو الوظيفة وتقدير المسؤولية، ومثل ذلك الحرص على النزاهة وتحاشي التمييز والمحاباة لفئة دون أخرى وهناك أيضاً ما تعرفونه جيدً وانتم العاملون في ميدان الدفاع عن حقوق الانسان وهو سوء استعمال أو استغلال السلطة أو استثمارها لمصلحة شخصية أو خاصة.

الوظيفة العمومية تضم القاضي ورجل الأمن وموظف السجن، ورجل النيابة العامة ورجل الجمرك ومحصل الضريبة والطبيب والمشرف على مراكز الايواء وأمين الصندوق والمحاسب والممرض وكثيرين أخرين تمس أدوارهم وأعمالهم حياة من يتصلون بهذه المجالات. وكثيراً ما يقع الانسان من هؤلاء بالخطأ اما عندما تضعف هذه النفس أو عندما تشعر هذه الذات بنفوذها وسطوتها وقدرتها على التحكم بالأخرين وبمصائرهم. ولأن كثيراً من هذا قد حصل في الدول والمجتمعات بدون استثناء وكثيراً ما يمس هذه الانحراف في سلوك واداء الموظف العمومي حقوق الانسان للمواطن وغير المواطن معاً، وكثيراً ما ظهر أن الدساتير والقوانين لا تكفي وحدها لوقف الفساد أو محاسبة المسيء للمواطن أو اصلاح النقص في الوازع الاخلاقي والقيم فجاءت مثل هذه المدونات المعينة بضبط سلوك الموظف العمومي ورجل الشرطة.

ولا بد أن تشمل مثل هذه المدونات :

(أ‌) تفصيلات بالرقابة الادارية والقضائية على اداء الادارات الامنية والمدنية.

(ب‌) اطار تشريعي شامل ومفصل لمكافحة الفساد وسوء استغلال السلطة.
(جـ) سلطات وصلاحيات قضائية لمحاسبة المخلين من الموظفين العمومين.
(د) رقابة برلمانية على اعمال السلطة التنفيذية.
(هـ) رقابة شعبية.
لهذه الغاية لا بد أن تشمل مثل هذه المدونة عناصر معينة منها :
تدابير ضمان المساءلة كمساءلة الموظف عن الاجراءات والقرارات التي يتخذها عند اداء مهامه، وان تأتي اللوائح التنظيمية والسياسات الادارية على متطلبات وقيود تستوجب على الموظفين تقديم مسوغات للإجراءات والقرارت الادارية التي يتخذونها ويكون لها تأثير على مصالح المواطن الفرد، ناهيك عن تضمين هذه اللوائح التنظيمية والتوجيهات الادارية أو التعليمات اجراءات تأديبية بشأن مخالفة هذه اللوائح و/أو التعليمات الادارية ومدونات قواعد السلوك كهذه التي ستناقشونها بعد قليل.
ولا بد من تحديد الاحكام والعقوبات التي تمثل تدابير تأديبية لما قد يقدم عليه الموظف عندما يقوم بأعمال من قبيل اتلاف أو إخفاء أو التصرف بشكل غير قانوني بمستندات أو وثائق أو صكوك او أي مادة رسمية أو ذات قيمة ويصل الى هذه المواد بحكم طبيعة عمله أو منصبة أو حتى اذا ما حاول ذلك. أو اذا ما قام أو حاول التصرف بأموال عامة أو خاصة أو التصرف بمعلومات سرية تصل اليه بحكم منصبه.
وهناك جوانب اخرى كثيرة لا بد لأي مدونة سلوك من معالجتها مثل مسألة قبول الهدايا أو الحصول على منفعة شخصية أو خاصة أو لأحد افراد عائلته اثناء العمل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
كذلك هناك مسألة تضارب المصالح واستخدام الموظف العام لمنصبه أو نفوذه أو المعلومات التي في حوزته أو اساءة استخدام منصبة وسلطاته لأغراض شخصية وخاصة لاسيما لخدمة مصلحة تجارية مالية... الخ.
لهذا لا بد أن تتضمن مدونة السلوك ما يسمى بالإفصاح المالي أو معالجة مسألة الكسب غير المشروع. وهناك دول تسن قوانين بذلك ولا تقتصر على مفهوم الكسب غير المشروع بل وتتعداه لسن تشريع حول " من أين لك هذا " ؟
وأخيراً – وسوف اختم بذلك – لا بد أن تتضمن مدونة السلوك الخاصة بالموظف العمومي ضرورة الافصاح عن موجودات الموظف خاصة اذا كان من الصفوف المتقدمة والرتب أو الدرجات العليا.
كذلك لا بد ان تتضمن مثل هذه المدونات حث الدولة على انشاء جهاز لمكافحة الفساد، وتعميم مثل هذه المدونة على الجمهور وشرحها للمعنيين من الموظفين، النص على ضرورة حماية حقوق الانسان، ادماج مثل هذه المدونات في التشريع الوطني وغير ذلك من الأفكار والمبادرات التي تعزز من ثقافة النزاهة ومقاومة الفساد والافساد والترهل الوظيفي والتحايل على القانون والتقصير في الواجب الرسمي.