كلمة المفوض العام في المؤتمر الثاني حول تحديات الأمن وحقوق الإنسان في المنطقة العربية

كلمة د. موسى بريزات /المفوض العام في المركز الوطني لحقوق الانسان/رئيس الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان
في
" المؤتمر الثاني حول تحديات الأمن وحقوق الإنسان في المنطقة العربية "

3-4/11/2015

مدينة - تونس

 

قبل سنة – إلا يومين – التأم في مدينة الدوحة "عاصمة دولة قطر الشقيقة" المؤتمر الأول حول " تحديات الأمن وحقوق الانسان في المنطقة العربية " . و يلتأم اليوم في دولة تونس الشقيقة المؤتمر الثاني حول ذات الموضوع وبرعاية ذات الأطراف التي بادرت الى عقد مؤتمر الدوحة .

وحتى لا نقع في الخطأ الذي تعانيه عادة الاجتماعات والمؤتمرات الدولية – اقليمية أو عالمية والمتمثل بتكرار ذات المواقف ، وإصدار ذات التوصيات - وأحياناً كثيرة بالعبارات ذاتها - سأحاول والاجابة على سؤالين محددين في هذا اللقاء اعتقد ان الاجابة عليهما ستضمن لنا التقدم خطوة على الطريق الذي رسمناه. وهذان السؤالان هما :

  1.  ماذا تحقق من التوصيات التي صدرت عن المؤتمر الأول ؟
  2.  ما هو المطلوب لأن نسير قدماً ونتجنب الدوران حول النفس ؟

السيدات والسادة ،

جاء في بيان الدوحة:

" ان الهدف الأساسي للمؤتمر هو مناقشة العلاقة بين ضمان الأمن واحترام حقوق الانسان ... ومناقشة التحديات ذات الصلة على صعيد المنطقة العربية ؟

وحول الجزء الأول من هذا الهدف المزدوج والمتعلق بضمان الأمن في اطار احترام حقوق الانسان تضمنت الوثيقة الختامية المشار اليها أكثر من 20 توصية شملت مسائل هامة منها :

الطلب الى الدول العربية وضع اليات للرقابة والمساءلة والمحاسبة لمنع أي احتمال لاستغلال سلطات انفاذ القانون لصلاحياتها وقدراتها في اجراءات تعسفية أو عشوائية ضد الأفراد أو الجماعات . وفي حدود المعلومات المتوفرة ما نزال ننتظر ولو مبادرة واحدة من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لإنشاء مثل هذه الآلية . لكن هناك جهة اخرى هي اللجنة العربية لحقوق الإنسان ( لجنة الميثاق ) بادرت الى عقد اجتماع على مستوى الخبراء للتداول حول وضع الية للوقوف على مدى تطبيق الدول العربية لهذه التوصيات مستقبلاً وذلك في التقارير الدورية التي تقدمها هذه الدول الى اللجنة المذكورة . ومن الجدير ذكره هنا أن ممثل امانة مجلس وزراء الداخلية العرب في هذا اللقاء أعلن عن عدة خطوات اتخذها المجلس في معرض تعامل هذا الأخير مع التوصيات الواردة في بيان الدوحة.

وحول التوصية " بحث الدول على احترام حرية الصحفيين والصحافة وحمايتها ، ومنع التعذيب والوقاية منه ، وإطلاق سجناء الرأي بما في ذلك المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان ، ومحاربة الفساد " نرى أن ما تم رصده حتى الأن يشير الى استمرار الوضع بشكل عام عما كان في السابق ؛ وان لم يخل الأمر من إنجاز بعض الخطوات الفردية الأحادية في هذه الدولة أو تلك كجزء من سياسة ’ إدارة الانتهاكات ‘دون التقدم الفعلي نحو حلول جذرية لمثل هذه القضايا الهامة والحساسة.

أما بشأن التوصية المتعلقة " بإصلاح القضاء والأمن " فلم يتم رصد تطورات ذات شأن بهذه التوصية أيضاً. وان كانت الساحة العربية قد شهدت اجتماعات ومداولات للسلطات القضائية والهيئات المعنية بإدارة ملف العدل. لكننا لا نستطيع ان نذكر ان تقدماً ملموساً أو إنجازاً واضحاً قد تحقق بشأنها بالرغم من حصول تطور هنا أو هناك، ومبادرة معزولة بشأن هذه التوصية أو تلك على صعيد منفرد ومحدود وفي الاطار الروتيني الاعتيادي لأداء الدول في مجال التقاضي والالتزام بشروط المحاكمة العادلة وسيادة القانون .

وكذا الأمر بالنسبة الى التوصية المتعلقة " بمواءمة الاتفاقيات والمواثيق العربية المتعلقة بالأمن وحقوق الانسان مع المعايير الدولية ذات الصلة ". ويعتبر هذا الأمر الأخير من القضايا ذات الحساسية وله خصوصية بسبب بنية السلطات القضائية في الدول العربية .

والحقيقة أن هناك أكثر من خمس عشرة توصية أخرى محددة صدرت عن هذا المؤتمر؛ لكن تقديم مسألة تقرير أو تقارير مفصلة حول ما تم انجازه بشأنها يبدو ان عليها ان تنتظر مدة أطول ولا بد أن تكون هناك آلية متخصصة لهذه الغاية .

لذلك، وفي ضوء ما تقدم قد يكون من الأهمية بمكان صدور توصية عن هذا المؤتمر بتكليف جهة ما لتقديم تقريراً دورياً حول التقدم في تنفيذ الدول لهذه التوصيات وغيرها مما لها صلة بموضوع الأمن وحماية حقوق الإنسان، بحيث يتضمن هذا التقرير تحديد العقبات والصعوبات التي تواجهها الدول في هذا المجال واقتراح الحلول والخيارات لمعالجة مثل هذه العقبات بما ي ذلك تقديم الدعم الفني وبناء القدرة.

أما بشأن ما هو المطلوب عمله حتى نسير قدماً على طريق تحقيق التوازن بين صيانة الامن وضمان احترام حقوق الانسان في المنطقة العربية فإن الاجابة على هذا السؤال الكبير ستبدأ باستذكار التحدي الاساسي الذي حاول المؤتمر الاول ( مؤتمر الدوحة ) ملامسته لكنه لم يتمكن من بسطه بشكل معمق ومعالجته بالتوسع الذي تقتضيه الحالة .

إن مجرد عقد مؤتمر الدوحة وجمع الاطراف في إطار حوار هادئ وموضوعي هو خطوة إيجابية. لكن مؤتمرنا الأول على أهميته قفز عن المشكلة الأساسية التي تشكل عقبة كأداء في وجه خلق بيئة صديقة لحقوق الإنسان في الوطني العربي الى الامام - ان جاز التعبير . فكما نرى اصطدمت مسألة تنفيذ التوصيات والاقتراحات العملية والقابلة للتنفيذ التي ذكرها البيان الختامي بالواقع العنيد المسيطر في المنطقة العربية والذي حال ويحول دون تحقيق الهدف الفعلي من عقد مثل هذا المؤتمر وهو: "تحقيق الأمن في الدول العربية في إطار سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان ".

واذا ما اردنا ألا نبق ندور حول الذات علينا التمعن في هذا الواقع الذي يقاوم ويعاند الارتقاء بحقوق الانسان من قبل الدول العربية. ونقطة البدء ربما محاولة فهم ملامح هذا الواقع الآنف الذكر ومعطياته ؟

 

أولاً : إن الأمن الوطني ضرورة حيوية وربما الهدف الأسمى ليس للدولة وللنظام السياسي فقط بل وللمجتمع والمواطن في آن واحد.

ولذلك جاء النص في القانون الدولي الإنساني على ضرورة احترامه واعتبار تهديده احد مبررات تقييد حقوق بعينها، لاسيما ابرز هذه الحقوق وهو الحق في حرية التعبير وكذلك الحق في التجمع السلمي.

وللأمن الوطني جوانب ومظاهر وحيثيات ومقومات كثيرة ومختلفة. وتشمل هذه المظاهر والمقومات والعناصر الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ... الخ. كما ان مصادر التهديد للأمن الوطني كثيرة وتتفاوت من دولة لأخرى ومن مجتمع لأخر. وكما هو معروف هناك مصادر تهدد الأمن الوطني خارجية وأخرى داخلية .

وتعتبر قضية الأمن والأمن الوطني أكبر تحدي واجه ويواجه الدول والمجتمعات العربية حالياً، مع ان مثل هذا التحدي لم يكن غائباً يوماً ما منذ بروز النظام العربي المعاصر في بدايات القرن الماضي وتحديداً منذ انشاء جامعة الدول العربية عام 1945.

كذلك يجب ان يكون الأمن الوطني محل إجماع وطني . وفي الوقت الذي يجب أن تتولى القيادة السياسية مهمة حماية هذا الأمن من حيث اختيار الوسائل وتحديد الأولويات، وحشد الطاقات والإمكانات والموارد اللازمة لصيانته؛ فإن المجتمع يعتبر هو "المالك" الفعلي وصاحب المصلحة الأولى في توفير هذه القيمة الحيوية. فهو الذي يتحمل في نهاية المطاف أعباء ادامة الأمن الوطني وصيانته، مثلما يواجه تبعات تهديده أو اختراقه داخلياً وخارجياً.

يقابل ذلك لا بد من الإسراع الى التأكيد على ما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من إن " الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم... ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا الى أعمال همجية أذت الضمير العالمي... كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء أخر الأمر الى التمرد على الاستبداد والظلم" . لذلك تعهدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بضمان الاستمرار في مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها "واتخاذ اجراءات وطنية وعالمية لضمان الاعتراف بهذه الحقوق ومراعاتها بصورة عالمية فعالة".

السيدات والسادة ،

تدركون بالتأكيد أن تحقيق الأمن في اطار حماية حقوق الإنسان هدف جوهري يحتاج الى بيئة وطنية وعالمية غير هذه التي نشهدها اليوم. فعلى الصعيد الوطني تعاني دولنا ومجتمعاتنا من ثنائية مستعصية على صعيد البنية الثقافية لمجتمعاتنا والبنية السياسة لأنظمة الحكم أيضاً.

فالواقع المجتمعي في الدول العربية يعاني من تناقضات وأمراض وعيوب تجعل مسألة تحقيق بيئة ملائمة لحقوق الإنسان من الصعوبة بمكان. ولقد اشار بيان الدوحة الى جزء من هذه الحقيقة عندما جاء على توصيف الحالة الراهنة أو الوضع العربي من حيث التحديات التي يواجها الأمن في المنطقة العربية سواء كان مصدرها الخارج أو داخل المجتمعات العربية بتأكيد على الأثر المدمر للإرهاب ومظاهر التطرف والطائفية و خطاب الكراهية على الأمن القومي والوطني. إن ما ذكره بيان الدوحة حول اوضاع المجتمعات العربية كان مقتصداً جداً.

فالتناقضات وحتى الاختلافات و/أو التحديات التي تقض مضاجع مجتمعاتنا في الوطن العربي والتي تكرس الشرذمة والتباغض والحروب الأهلية والانتماءات الضيقة الجهوية والإقليمية . وهذه جميعها امراض تعانيها المجتمعات العربية بدون استثناء (الا من عصم ربه) . ان حالة التفتت والشرذمة قد بلغت درجة من التجذر والاتساع بحيث اخذت تطغى على ، وربما حتى تنفي وجود’ المجتمع ‘ بالمفهوم الاعتيادي ؛ إذ ذاب هذا الأخير في ظل الدولة الوطنية والتدخلات الخارجية ، بما في ذلك تلك التي اخذت وتأخذ شكل المؤامرات. وما تبقى من هذا المجتمع في ظل الدولة الوطنية وما تنبت من هذه الأخيرة فلسفة وسياسات وممارسات تدخليه أجهزت عليه التناقضات والانقسامات المجتمعية الداخلية ذاتها بحيث حلت "الجماعات" "والمجموعات"، والأقليات الضيقة‘ القائمة على الولاءات المحدودة التي استعرت وازدهرت في الآونة الأخيرة وتحديداً في العقدين الأخيرين من القرن الحالي.

لكن بيان الدوحة بالمقابل تحاشى ذكر الشق الأخير للمعادلة وهو : ’ البنية السلطوية للأنظمة العربية وغياب التعددية السياسية ‘ والتي تقاوم اي جهود للإصلاح السياسي الجوهري، إلى جانب التلكؤ في محاربة الفساد بأشكاله المختلفة (المالية والسياسية والإدارية)، وغياب العدالة الاجتماعية في اغلبية الدول العربية وانعدام تداول السلطة سلمياً وجميعها تسبب في تهديد الأمن وفي تدهور أوضاع حالة حقوق الانسان في المنطقة العربية. وإن هذه علل وأمراض تنخر البنى السياسية وهياكل السلطة وأنظمة الحكم في الدول العربية؛ بدون استثناء – ولكن بدرجات متفاوتة . ولكنها أصبحت من ناحية ثانية أبرز الاسباب والمبررات المستخدمة لممارسة مختلف أشكال العنف المجتمعي والخروج على القانون، وبالتالي المتسبب الرئيسي في تكوين هذا البيئة المعادية لكل من حقوق الانسان والأمن والاستقرار والرفاه للمجتمعات العربية معاً.

ان هذا المزدوج القاتل أو الثنائية المؤلفة من المتغيرات السلبية في البنيتين : السياسية ، أولاً، والاجتماعية ، ثانياً ، للنظام العربي تجعل مهمة تذليل الصعوبات في معالجة عقدة الامن في الدول العربية وفكها وبما يضمن احترام حقوق الانسان من اصعب المهام . لكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.

لكن حتى تأتي المقاربة لهذا أكلها ، وتكون ذات جدوى ، وتحظى بفرصة معقولة من النجاح لا بد من اخذ عدد من المسائل في الاعتبار . ومن ابرز هذه المسائل :

أولاً : معالجة مسألة غياب التعريف أو الفهم الصحيح لطبيعة الأمن في الواقع العربي . ان مفهوم الامن بطبيعته مرن ومتغير . ولذلك لا بد من تعريف أو تحديد ماهيته ( ماهية هذا الأمن) خاصة تحديد أمن من المطلوب تحقيقه ؟ وأي القيم يصار الى حمايتها ؟ فهل المقصود أمن النظام السياسي ؟ أم أمن النخبة الحاكمة ؟ أم الحاكم ؟ أم أمن المجتمع ؟ إن المفهوم الحديث للأمن يتعدى مجرد الدفاع عن سيادة الدولة وحماية الحكومة ، ليصل الى ما يعرف بأمن المجتمع . والذي يجدر ذكره هنا أن هناك من يعتقد أن التحركات الاحتجاجية والمطلبية في المجتمعات العربية تهدف بشكل أساسي الى تدمير الدول العربية التي يعتبرها هؤلاء اللحمة التي تبقى على تماسك المجتمع ! وبالمقابل ينظر مواطنون – وهم الأغلبية- أن الدولة العربية هي مصدر القمع وتهديد الحقوق وحامي الفساد والمفسدين!. وهي الخطر الأكبر على الأمن مثلما هي الخطر الوحيد على حقوق الإنسان.

ثانياً : يقودنا هذا الوضع الى وجود فجوة بائنة في مفهوم الأمن بين الحكام العرب والنخب الحاكمة من جهة، وبين المواطن و’ المجتمعات ‘ أو ’ الجماعات ‘ و’ الجمعيات ‘ و’ المجموعات ‘، أو ما اصطلح على تسميته مؤخراً ’بالمكونات‘ لمختلف المجتمعات العربية من جهة ثانية! لكن هذا الاضطراب في التوافق الوطني حول مفهوم الأمن ودور الأطراف فيه (المجتمع، والدولة) قد تعدى محور العلاقة بين الأنظمة ومجتمعاتها، وتجاوز مسألة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليبلغ مكونات المجتمع ذاتها. فقد اصبح هذا الأخير بفعل الانقسامات والتشرذم أقرب إلى أن يكون فقط صيغة أو عبارة أو لفظ، أو مجرد حقيقة "افتراضية" . وكانت اخطر ظواهر هذه الفجوة بين فريقي الأمن وحقوق الانسان: (الدولة والمجتمع) هو الشيطنة المتبادلة بينهما. ثم تمادت هذه الشيطنة بين النخب الحاكمة ’ والجماعات ‘ المختلفة من خارج السلطة لتصيب العلاقة بين هذه الجماعات ذاتها بطوائفها المختلفة ، ومذاهبها العرقية والسياسية والجهوية وحتى الثقافية بعضها بحق بعض.

ثالثاً : ضعف مستوى القناعة والإيمان، والى حد ما الوعي، بحقوق الانسان لدى المسؤولين والأجهزة الرسمية ولدى المواطن ايضاً، خاصة بأهمية حكم القانون، ومتلازمة الحقوق والواجبات .

رابعاً : بالمقابل يساور المواطنون في دولنا العربية القلق من ان يصار الى استغلال الخوف من الفوضى والتخويف من العنف والإرهاب والتقسيم والشرذمة لتبرير تقليص الحريات المدنية وانتقاص الحقوق وتشويه المعارضة وتقليص المشاركة العامة. والعزوف على الاصلاح الحقيقي وتمكين المواطنين من حكم أنفسهم والمشاركة في تحديد مستقبلهم وصنع خياراتهم . ومثل ذلك هناك من يرى في الأوساط الرسمية والقوى المجتمعية المحافظة أن ’ حقوق الإنسان ‘ مصطلح خارجي يراد به تفتيت المجتمعات العربية والإسلامية والإجهاز على بنية الدولة التي يعتبرونها الألية والإطار الجامع للشعب وحامي وحدته وتماسكه .

ويتأكد الشق الأول من التوجه المتنامي لسن قوانين تقلص من الحريات وتتوسع في حماية الأمن على حساب الحقوق والحريات.. وأكثر ما يظهر هذه المخاوف في مجال التوسع في تعريف جرائم الإرهاب وتأكيد أهمية فرض هيبة الحكم وتكريس السلطة ومحاربة الانتقاد ورفض قبول المساءلة والاعتماد على قوة الأمن والقوة الصلبة بدلاً من قوة القانون و السعي لإقامة الحكم على أساس التوافق والعدل والمشاركة.

خامساً : لقد نتج عن هذا المزدوج السالب للحقوق والمهدد للأمن بروز اشكاليات وظواهر محيرة في الواقع العربي لدرجة نجد ان البعض يعتبر أن المطالبة بالإصلاح والديمقراطية وحقوق المواطنة من مساواة وعدم تمييز وممارسة الحريات الأساسية والاعلام الحر المستقل انها من بين مصادر تهديد الأمن في دول عربية عديدة ! إذ لا تخلُ دوائر صنع القرار في دول عربية كثيرة من الذين يعتبرون ان ’ الربيع العربي ‘ هو المسؤول على حالة الانهيار التي تعانيها مثل هذه الدول والاضطراب والفوضى التي تمسك بتلابيب الحالة العربية الراهنة وبالأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة في أكثر الدول العربية .

سادساً : أدى هذا الواقع بدوره الى بروز ما يمكن وصفه بخصوصية إشكالية الأمن في المنطقة العربية . فالمواطن الفرد لم يعد بوسعه الاطمئنان الى ان بإمكان الدولة وبالتالي النظام السياسي القائم أن يوفر له حماية حقوقه وحرياته . لذلك لم يعد الفرد يعتبر أن الدولة هي الحاضنة الآمنة للفرد، والتي لها الحق في تعريف المصالح العليا والمصلحة الوطنية، ولها حق احتكار استخدام القوة المشروعة في البلاد. فهذه الدولة، في عدة حالات، أخذت تتلاشى لتحل محلها الطائفة ، أو العشيرة أو الجهة أو المذهب أو الجماعة أو التنظيم. وباستثناء المستفيدين مباشرة من مزايا السلطة ومكاسبها لم يعد من يؤمن بالدولة العربية كضامن للحقوق الا اقلية من الافراد الأبرياء والمثاليين أمثالي! فهذا الواقع العربي يجمع المتناقضات في أغلب الأوقات.

يقابل ذلك هناك من يتربص للانقضاض على الدستور ومقومات الدولة (أو ما تبقى منها) ويسعى الى قلب معادلات الهوية والوحدة المجتمعية أو التوافق المجتمعي على قيم مستقرة في الثقافة العربية باسم الحرية وحقوق الانسان . وقد يلجأ بعض هؤلاء الى الخارج للاستقواء على الدولة !

لهذه الاعتبارات ’واخرى غيرها كثيرة‘ قد يصبح الاكتفاء بسرد التوصيات حول موضوع الأمن وحقوق الإنسان ومطالبة الدول بتنفيذ التزاماتها بموجب الصكوك الدولية مجرد ممارسة رياضة ذهنية. ولتحاشي هذا المأزق أو النتيجة غير المرغوبة لا بد من مناقشة لماذا لا تتجه الدول العربية الى احترام التزاماتها في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان؟ فهل يعود الامر الى عجز لدى المسؤولين في حساب الارادة السياسية، بغض النظر عن أسباب ذلك، خاصة التركيبية البنيوية للسلطة في الدول العربية التي قد تحول دون الاصلاح والانتقال السلمي للديمقراطية ؟ ام أن البنية المجتمعية في الوطن العربي والتناقضات والاستقطابات العميقة بين مكونات المجتمع في الدول العربية من العمق والتأثير بحيث تحول دون الانفتاح السياسي والسماح بحق الاختيار الحر للإنسان العربي !؟ ليس لدي أجوبة قاطعة على هذه الأسئلة. لكنني أكاد ان اجزم ان الاشكالية الاساسية هي في البنية المجتمعية والسياسية والمؤسسية للنظام العربي المعاصر برمته، بما في ذلك الصبغة السلطوية وغير التعددية للأنظمة العربية. لكن بالمقابل إنني مقتنع أن الحل هو في تطوير هذه البنية السياسية وبإصلاحها أن أمكن وهو الأفضل؛ أو تغييرها إذا تعذر إصلاحها أو استعصت على قبول مثل هذا الإصلاح . وان ما يأتي من تأثيرات سلبية سواء على واقع حقوق الانسان أو تهديد - قائم أو محتمل- للأمن في الدول العربية سواء من المجتمع أو من البيئة الخارجية واضح وجلي . ولكن سوف ينتهي أو يتضاءل و/أو تسهل السيطرة عليه والتعامل معه لو توفرت البنية السياسية الديمقراطية للأنظمة العربية. فالعلة قد تكون مجتمعية ثقافية لكن الحل هو بالضرورة قانوني سياسي.

أما الإجابة على السؤال: من اين تأتي الارادة السياسية هذه؟ وما هي مقومات أو مقدمات توفر البيئة السياسية المجتمعية الملائمة لحقوق الانسان؟ فهو موضوع آخر وربما يكون موضوع البحث في المؤتمر الثالث القادم حول تحديات الأمن وحقوق الإنسان في المنطقة العربية.

 

وفي الختام،

اننا كمؤسسات وطنية لحقوق الإنسان قد نظلم انفسنا أو نخدع الجمهور الذي وضع ثقته بنا اذا لم نقم بالتمعن في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في إطارها وعلى أساسها مؤسساتنا الوطنية هذه وذلك للتعرف على ما هي طبيعة المعيقات التي تحول دون تحقيق التقدم المرجو في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان في المنطقة العربية، طبعاً في ظل المحافظة على الأمن أيضاً. وإذا كانت الأمانة تقتضي ألا نجامل فإن الحرص على تحقيق نتائج يجب ألا يدفعنا الى الانحياز أو التفكير العقدي النمطي أو العدمي بل علينا أن نثابر ونعمل ضمن مبدأ ما لا يدرك كله لا يترك جله.