المؤتمر الإقليمي حول "دور المفوضية السامية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان بالمنطقة العربية"

انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة اليوم مؤتمرا إقليميا حول "دور المفوضية السامية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان بالمنطقة العربية". بتنظيم من اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان بالتعاون مع جامعة الدول العربية والشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان .

ويركز الهدف العام للمؤتمر على التعريف بمدى استجابة المنظومة الدولية لحقوق الإنسان بمكوناتها الفنية والتنظيمية لتعزيز واحترام حقوق الإنسان في المنطقة العربية ، لاسيما دور المفوضية السامية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق الوضع الراهن بالمنطقة العربية وكيفية تطوير سبل آليات الهيئات المنشأة بموجب المعاهدات بالأمم المتحدة.

 

ويشارك في المؤتمر نحو 200 منظمة عربية ودولية معنية بحقوق الإنسان وأكثر من 40 شخصية مسؤولة عن ملفات حقوق الإنسان على مستوى العالم والسفراء العرب بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان ،ومكاتب المفوضية الإقليمية في كل من لبنان وفلسطين والعراق واليمن وليبيا وجنيف و اللجان القانونية في البرلمانات ومجالس الشورى بالمنطقة العربية ومنظمات حقوق الانسان غير الحكومية الإقليمية والدولية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية والجامعة العربية والشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ومجموعة من المقررين الخواص وهيئات المعاهدات الدولية ، وعدد كبير من الشخصيات العربية والدولية على رأسهم سمو الأمير زيد بن رعد المفوض السامي لحقوق الإنسان .

 

وقد القى المفوض العام الدكتور موسى بريزات كلمته بصفته رئيس الشبكة العربية جاء فيها

 

السيدات والسادة الحضور الكرام ،

أحييكم تحية حقوق الإنسان المهدورة ... تحية الإنسان ... الإنسان العربي المكلوم المصاب بكرامته وبحريته إلا ما ندر ، المصدوم بما يراه ويعانيه بين أبرياء يهلكون في حروب وأقرباء يختفون ونساء تعاني التعنيف والتهميش وأسرة وشباب تعيش ويلات اللجوء. هذه تحية برغبة نداء للضمير واستنهاض للإرادة وشحذ للهمم .

أبدأ بها كلمتي بإسم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان العربي اللاجئ والمشرد بإسم العقيدة والدين والحرية والأمن والعائلة والفقيه والإمام ؛ والجميع من هؤلاء براء . أحييكم بإسم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان العربية هذا الإسم المركب من كلمات أربع تجمع الوطن والحق والإنسان والعروبة ، هذه المؤسسات التي تكافح لصالح إنسان يعيش وينعم بحقوقه في وطن ومواطنة مصونين بالعدل والمساواة وحكم القانون في وطن يصان فيه الحق في الحياة وفي الكرامة له وللأجيال القادمة !

السيدات والسادة ،

هذا مؤتمر مهم يشارك فيه ويحضره أصحاب المصلحة في قضايا حقوق الإنسان في الوطن العربي . أقول ’ الوطن العربي ‘ وإن كنت أعي أن المنظمين لهذا المؤتمر إختاروا إسم ’المنطقة العربية‘ كتعبير جغرافي ، بدلاً من مفهوم ’العالم العربي‘ أو ’الوطن العربي‘ أو حتى الدول العربية بما لهذه العبارات من دلالات أساسية وحقوقيه وحتى ثقافية .

وهنا إسمحوا لي أن أذكر أن الحق في تقرير المصير للشعوب والأمم نصت عليه المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية . ولذلك لا حرج في ولا إحراج من إستخدام عبارة ’ الوطن العربي ‘ كحق للشعوب وللقوميات كافة في تعددية ثقافية غنية متسامحة تعيش في هذا الجزء من العالم التي تسمى اليوم بالمنطقة العربية والتي إنطلقت بإسمها أول ثورة في القرن العشرين لتتابع بعدها الثورات وحركات الإستقلال الذي يتمزق اليوم ويكاد يتلاشى بعد أن تم الإعتداء على كرامة الإنسان وحقوق الإنسان العربي كمفهوم ثقافي وبعد المواطنة وليس القومي العنصري الإقصائي ، ومن قبل حكامه وأعداءه على حد سواء .

وقد إنعقد ذلك المؤتمر في قطر واتخذ توصيات هامه من بينها التأكيد على ضرورة إصلاح منظومة حقوق الإنسان القائمة في أمانه الجامعة وفي الدول العربية الأعضاء وتطويرها وتفعيلها . وتمت خطوات ملموسة في هذا المجال منها تفعيل لجنة حقوق الإنسان العربية وإقرار إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان في مملكة البحرين .

ثم تتابعت النشاطات وتصاعد الحراك الحقوقي في الوطن العربي بمشاركة المفوضية السامية لحقوق الإنسان و البرلمان العربي والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان العربية.

ومؤخراً إنضم إلى هذا الحراك مجلس وزراء الداخلية العرب الذي رعى بالتعاون مع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان العربية مؤتمرين في الدوحة وتونس حول الأمن وحقوق الإنسان . وكان للبرلمان العربي مساهماته المقدرة في هذه النشاطات بشكل أو بأخر كتعبير عن إرادة الإنسان العربي والمجتمعات العربية على أن تتولى شؤونها وتتدبر أمر حماية حقوقها بنفسها وتحركت أمانة جامعة الدول العربية بعدة اتجاهات حيث تبنت عدة خطوات في إطار تعزيز منظومة حقوق الإنسان العربية .

ورعت المفوضية عبر مكاتبها الإقليمية في بيروت والدوحة ومصر أيضاً العديد من النشاطات التوعوية والتعليمية بمشاركة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني .

وتتالت النشاطات من قبل هذه الأطراف وبمشاركة المجتمع المدني بهدف الإرتقاء بحالة حقوق الإنسان العربية .

لكن هذه المبادرات والحراك المتتابع لم يحدث الأثر المطلوب في الواقع الحقوقي في الدول العربية . لذلك علينا أن نبادر بالسؤال التالي وهو : لماذا ؟

ومع أن الإجابة على هذا السؤال هي مسؤولية مشتركة بين جميع الفرقاء أو الشركاء – إذا صدقت النوايا – فأن للمؤسسات الوطنية وجهة نظرها ، ربما المتمايزة عن وجهات نظر الجميع والذين هم أو أكثرهم ممثلون في هذا المؤتمر .

فبحكم طبيعتها وإستقلاليتها وموضوعيتها تستطيع هذه المؤسسات ليس فقط التأشير على مواطن الخلل وتشخص الواقع بدقة ، بل وأن تفصح عن وسائل المعالجة بصورة أوضح وأشمل . فهذه المؤسسات لا تتردد في أن تعلن صراحة إن إحترام حقوق الإنسان لا يهدد الأمن الوطني في الدولة ، وإن صيانة حرية التعبير وضمان حرية الصحافة والإعلام الحر المستقل المهني لا يسيء للإستقرار ، وإن إستقلال القضاء والوفاء بشروط المحاكمات العادلة لا يشجع على الجريمة ، وأن تمكين المرأة ومحاربة العنف والتمييز ضدها أعمال لا تهدد كيان الأسرة العربية المسلمة وبنية المجتمع ، وإن حرية الإجتماع والنشاط المدني للمنظمات الأهلية لا يدعم الإرهاب ، وإن تحقيق العدالة الإجتماعية ومراعاة حقوق العمال والعمالة الوطنية والأجنبية معاً لا يعيق التنمية والإنتاجية ، وأن المشكلة أو الصعوبات أو التقصير ليست فقط في الحكومات وسياساتها بل في المجتمع العربي أيضاً، وأن القصور ليس فقط في التشريعات بل وفي الوعي المجتمعي والشعبي بأهمية حقوق الإنسان ، وأن الخلل ليس فقط في السياسات الحكومية بل وفي الثقافة المجتمعية وبعض الموروث ، وأن هذه العوائق ليست فقط من إنتاج عربي محلي ، بل ولها روافد خارجية بشكل سياسات دولية واطماع خارجيه ، ومشاريع تجزئة ومحاور وتحالفات طائفية عنصرية .

 

السيدات والسادة ،

إننا جميعاً أمام تحد وإختبار صعب ... إختبار يستدعي أن يعيد كل طرف النظر في دوره وما هو مطلوب منه . فالنهوض بواقع حقوق الإنسان في العالم العربي وتطويره يبقى هو أنسب الخيارات التي يجب تبنيها لإخراج المجتمعات العربية ، ومن تستضيف ، من حالة الرعب القائمة والشلل ودوامة العنف . فاحترام حقوق الإنسان والتمسك بها هو المحرك الأساسي للتغييرات التي يمكن ويجب أن تحدث في المنطقة كما يقول مؤتمرنا . وهذا يشمل الشعب الفلسطيني والشعب الكردي واليزيدي والصابئة المندانيين وحماية التفافات والخصوصيات كافة وكل هوية وجماعة في بوتقة الوطن وبسياج الحرية والكرامة .

ولا ضير في مفهوم التدرج والتقدم على مراحل إذا لم يستخدم هذا المفهوم لإبطاء الإصلاح وتأخيره وبالتالي وأد التغير المحتوم .

 

السادة الحضور ،

تستطيع المفوضية السامية لحقوق الإنسان القيام بدور أساسي في إنجاح هذه المهمة . ولا أحد يمكن أن ينكر ما قامت به المفوضية في هذه المنطقة بموجب ولايتها ومسؤولياتها في الدفع بأجندة حقوق الإنسان في السياسات الدولية والوطنية للدول . فقد رعت المفوضية وساهمت في تنفيذ العديد من النشاطات في مجالات الرصد لواقع حقوق الإنسان في الدول العربية وكذلك إقامة برامج التعليم والتوعية بالتعاون مع منظمتي اليونسكو واليونسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، إلى جانب مساهمتها في بناء القدرة لكل الشركاء : الحكومات والمؤسسات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني على حد سواء .

ولا بد أن نسجل هنا أن تدخلات المفوضية ودورها في مجال مساعدة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان العربية في موضوع الإعتماد وإعادة الإعتماد بحاجة إلى إعادة نظر وأكثر رعاية واهتمام من شخص المفوض السامي والإدارة العليا في المفوضية ليتخلص من بعض الشوائب والإلتباس الذي تحيط به .

لكن هذه الجهود لا تحول دون الإشارة الى بعض الملاحظات في هذا الشأن بسبب ضخامة التحديات وتعاظم المشاكل باستمرار ، حيث أن ديناميكيات الإنتهاك تفوق أضعاف المرات جهود المعالجة .

فهناك عوامل ذاتية في المفوضية نجد أنها قد تضعف من قدرتها على التأثير ولا يوجد ما يمنع من الإشارة اليها بهدف تعزيز الشراكة وإثراء الحوار .

فلا يزال جل – ولا أقول جميع – برامجها ومبادراتها تحمل بصمات الأجندة الدولية وأولويات المنظمات العالمية غير الحكومية وتحديداً الأولويات الليبرالية ( حقوق العمال المهاجرين ، إدماج اللاجئين ، الأقليات ، حقوق المثليين ، عقوبة الإعدام ) ، وربما يعود هذا لإعتبارات تتعلق بنشوء هذه الهيئة وطريقة تمويلها وتأثير إداراتها المتعاقبة !

السيدات والسادة ،

أختم ملاحظاتي هذه بأننا سنتقدم كمؤسسات وطنية باقتراحات عملية أثناء الحوار والتي قد تفيد في تفعيل دور المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الدول والمجتمعات العربية . *

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

____________________________________________________

*سيجري تفصيل ذلك في وقت لاحق .