ان تأخر الحكومة بتقديم الدعم المالي للمركز، سيمنعه من القيام بدوره الرقابي على الانتخابات اللامركزية والبلدية

قال المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان موسى بريزات، أن تأخر الحكومة بتقديم الدعم المالي للمركز، سيمنعه من القيام بدوره الرقابي على الانتخابات اللامركزية والبلدية، ورصد العملية الانتخابية برمتها، ما سيثير تساؤلات لدى اللجان التعاقدية في الأمم المتحدة حول جدية الحكومة بتقديم الدعم للمركز.

ودعا بريزات إلى إعادة النظر في إدارة الشأن العام في الدولة وتحديد الأولويات الوطنية، لنتمكن من الخروج من أزماتنا الاقتصادية والسياسية.

وأكد ان الأجهزة الأمنية لا تتدخل في عمل المركز الوطني، مشددا على تعاونها في القضايا التي تتعلق بمراكز التوقيف ومراكز الإصلاح والتأهيل.

وحذر من أن يطغى الدور الدعائي للمنسق الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء لما تقوم به الحكومة، بدلا من المساعدة بمعالجة الانتهاكات.

وتاليا نص اللقاء:


لماذا لم نسمع صوت المركز الوطني لحقوق الإنسان في مراقبة انتخابات مجالس المحافظات والبلديات، كما جرت العادة؟

لا يوجد لدينا مخصصات مالية مرصودة لتنفيذ عملية مراقبة الانتخابات. تقدمنا من الحكومة بطلب الحصول على التمويل اللازم للقيام بعملية الرصد، نظرا لأهميتها في تأكيد شفافية ونزاهة العملية الانتخابية، وننتظر الدعم، حتى على الأقل تغطية تكاليف تغطية رصد يوم الاقتراع.

وحتى نستطيع إعطاء نتائج ذات مصداقية لابد من تغطية نسبة معينة من الصناديق من مراكز الاقتراع. وهذه تحتاج تكاليف مالية لا تتوافر لدى المركز.

أجرينا تقديرا أوليا وأحلناه لرئيس الوزراء الذي بدوره أحاله للاستشارة إلى كل من رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب ولوزير المالية وننتظر الرد. لكن الوقت أدركنا، وإن أعطونا التمويل أو لم يعطونا فهذا مؤشر على أكثر من أمر، والحكومة تدرك أهمية ما معنى أن يمكّن المركز من أن يرصد، أو لا يستطيع لأسباب مالية.

هل تأخير تقديم الدعم المالي هدفه تغييبكم؟

لا أستطيع أن أقول ذلك، أصدرنا تقريرنا حول الانتخابات النيابية، ربما كان متأخرا، لعدم توافر المعلومات الكافية، احتجنا لوقت طويل وقلنا فيها ما توصلنا من حقائق دامغة حول ثلاث قضايا وهي: المال السياسي التعامل مع صناديق بدو الوسط التي تعرضت للاعتداء وموضوع تدخلات جهات مختلفة في تشكيل الكتل، وقضايا أخرى ذات صلة بشفافية ونزاهة الانتخابات.

نحن كمركز وطني نعمل بشفافية مطلقة ولا نعمل ضمن شفافية نسبية، لا يوجد نسبية بالشفافية بالنسبة لنا، بعض المؤسسات قد تتعامل مع نسبية بالشفافية معينة، نحن لا يوجد عندنا نسبية إما شفاف أو غير شفاف، لكن نعتقد أن مواقف الحكومات يجب أن تكون منسجمة مع الإرادة السياسية ومواقف جلالة الملك التي عبر عنها جلالته بدعم المركز وتمكينه من القيام بدوره الرقابي والاستشاري للدولة، واعتباره صوتا للمواطن في الدفاع عن حقوقه والحريات.

هل الحكومة مقصرة معكم بمسألة التمويل والدعم؟

لا نستطيع القول أن هناك تقصيراً، للإنصاف فإن الحكومة تقدم دعما لنا، ونحن المؤسسة الوطنية الوحيدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي كانت تأخذ دعما نسبيا، وإن كان دون الحد الأدنى بكثير، ولكن الآن نتحدث عن مسألة محددة وهي الانتخابات البلدية واللامركزية ورصد نزاهتها وفعاليتها ونجاحها ودور الهيئة المستقلة للانتخاب، ورصد دور مختلف الأدوار ومدى نجاح برامج التوعية وملاءمة القانون والتشريعات ومدى قدرة الهيئات الأخرى على تحفيز المواطن على المشاركة وإقناعه بالمشاركة، كل هذه القضايا مهمة جدا لبناء الأرضية أو البنية التحتية للإصلاح الذي يتحدث عنه الجميع، نحن كمركز وطني إن لم نتمكن من الرصد والمتابعة وإعطاء الرأي المتوازن بغض النظر كم فيه من طعم مرارة، سيكون مدعاة للتساؤل عن سبب غيابنا.

كيف ستتعاملون مع موضوع تأخير الدعم الحكومي لمراقبة الانتخابات؟

نستطيع انتظار التمويل الحكومي حتى أسبوع قبل الانتخابات، نستطيع أن نعمل ضمن خططنا، لكن إن تأخر عن ذلك سنقول للحكومة شكرا، نحن متأملون برئيس الحكومة، وهو يدرك أهمية الأمر ووزراء كثيرون بالحكومة كذلك كوزير التخطيط والتنمية السياسية والإعلام يدركون أهمية ومعنى دور المؤسسة الوطني، خصوصا ونحن مقبلون على المراجعة الدورية الشاملة وتقارير الأردن كلها التي تقدم للجان التعاقدية (المرأة والطفل وحقوق الإنسان والتعذيب. الخ)، كل هذه اللجان تسأل عن مدى دعم المركز الوطني وتمكينه من أداء دوره، والمركز معروف بالأوساط الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، فقد كنا بلجنة الاعتماد التي تعتمد مؤسسات حقوق الإنسان في الدول عن مقعد آسيا.

عندما يعلمون أن المركز الوطني غائب عن رصد ومتابعة الانتخابات البلدية واللامركزية لسبب مالي فسيثير عندهم علامة استفهام، نحن ندرك حجم التحدي الاقتصادي، اعتقد أن هناك أموالا رصدت للانتخابات لأنه قُدم دعم سخي لبعض الهيئات المدنية للرصد.

هل تعتقد أن التحديات التي تواجه المركز والمتعلقة بالتمويل والتسهيلات التي تقدمها الحكومة لأداء عملكم، هي التي أدت لعدم انتشاره على الساحة الأردنية بما يكفي؟

التمويل والدعم مهمان جدا وهما عامل حاسم، نحن المؤسسة الوحيدة بالسنوات الأخيرة التي تتلقى دعما، لكنه مايزال أقل مما نحتاجه فعليا للتعامل مع حجم الانتهاكات ومع حاجة المواطن للتوعية ولمراجعة ومتابعة التشريعات المختلفة ولرصد الشكاوى والتعامل معها.

لكن بالإضافة إلى القدرات البشرية والمالية، أيضا مدى تجاوب السلطات مع الشكاوى والانتهاكات التي تأتي، خصوصا أن الانتهاكات أصبحت تتعلق بمسائل حقوقية مثل نجاعة القضاء وكفاءة الأجهزة بالتعامل مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتعليم والصحة وحماية المواطن، وهناك قضايا معقدة فهناك شكاوى من مواطنات يتعرضن لتهديدات، الابتزاز سبب ارتفاع الجريمة، وشكاوى تتعلق بإدارة وأجهزة الأمن المختلفة، عندنا قضايا كثيرة ليست روتينية، نحن لا نتطلع على النسبة التي تتحقق، فمثلا نعلم أن إدارة مكافحة المخدرات حققت نسبة جيدة بالمكافحة، الأمن الوقائي والبحث الجنائي حققا نسبة جيدة في مكافحة الجريمة، الأجهزة الأمنية حققت نجاحات في محاربة الإرهاب وتهديدات أمنية جدية، لكن كمركز وطني دورنا هو مراقبة مدى وجود أي انتهاك من عدمه ومعالجته ورفعه ومحاسبة المسؤولين وإنصاف الضحية، فبقدر حصول التقدم بهذه القضايا، هناك انتهاكات بحاجة إلى معالجة.

المواطن وانتشارنا، يعتمد على شعوره هل المركز قادر على حل قضاياه ويعالج الانتهاكات ويوصله إلى حقوقه أو الإنصاف. بأمانة، الرأي العام عموما يعرف أن المركز موجود، ويمارس دوره باستقلالية، ولا يجامل في حقوق المواطن، كما الدولة تعرف أن المركز لا يشهّر ولا يناكف، دوره ليس هكذا ولا يقوم بذلك، ولكن النجاح بكل هذه العناصر لا يزال فيه العنصر المفقود وهو المدى الذي يستطيع فيه المركز معالجة الانتهاكات واضحة ومعروفة على صعيد شروط المحاكمة العادلة، أو حصوله على ضمانات بحقوقه بالتعليم والصحة، وحقوق اقتصادية عديدة، البطالة الفقر، أخذت تمس المواطن، وهناك شكاوى من أبناء الأمن العام متقاعدين وعاملين يشكون من الحاجة إلى استقلالية وفصل القضاء الشرطي بالنظر بالشكاوى والانتهاكات من قبل الأمن العام عن القضاء النظامي.

الحق بالصحة، نوعية الخدمات، هناك إشكالات بنيوية، ما تزال بقدر ما هنالك من تعامل مع ظواهر المشاكل ما تزال هناك ظواهر بنيوية تولد الانتهاكات باستمرار، أو تقود لانتهاكات، العلاجات لا تمس بنية الانتهاكات بالصحة، والنقل والتعليم والبيئة.

إلى جانب الاعتقالات وطول أمد التوقيف، هناك قيود على حرية الرأي، بعض الشكاوى تأتينا ونحقق فيها، بعضها محقة وبعضها غير محقة، محكمة أمن الدولة لا تتمتع بالاستقلالية الكاملة بسبب طبيعة تشكيلها، مع أن فيها قضاة مدنيين، والتقاضي على درجتين، لكن قضايا الإرهاب فضفاضة بشكل واسع، وانتشار لخطاب الكراهية، والإعلام لسوء الحظ أحيانا، ووسائل التواصل الاجتماعي بدل أن تمكن المواطن من التعبير عن رأيه صارت في بعض الحالات وسيلة وآلية لنشر خطاب الكراهية.

ما دور المركز في مواجهة خطاب الكراهية؟

هذا دور كبير يحتاج إلى دعم وتوعية، نحن ضد تقييد الحرية من أجل محاربة خطاب الكراهية لنا وجهة نظر؛ الحكومة ماتزال تنظر إلى الظاهرة ولا تدخل في صميم الأسباب الفعلية للتطرف ومفهومه، التطرف بالنسبة لنا ليس صفة أو خاصية لشخص أو لفكر، إنما هو نتيجة علاقة بين أطراف مختلفة، وهناك بنى اجتماعية قد تسهل خطاب الكراهية، هناك ثقافة مجتمعية موجودة قد تساعد على انتشار الكراهية.

لكن أيضا، هنالك بنى سياسية، وهنالك عجز في رصيد الإنجاز في الارتقاء إلى طموحات المواطن، الإحباطات لدى المواطن، سياسات أدت لتقليص تطلعات المواطن، نشعر أن الجهد القائم ليس للارتقاء بطموحات المواطن ومعالجة شكاواه، بقدر ما هي استراتيجية تقوم على تقليص وإحباط تطلعات المواطن، أكان تطلعه للحرية والكرامة، لمواجهة التهديدات التي تمس الهوية الوطنية، وتمس الكينونة، تطلعاته، وما يحدث بالأقصى وما يحدث بالوطن العربي عموما، كلها لا يمكن حمايتها تحت حجة أن الأمن والأمان وحده يكفي، أنه فقط إنسان يأكل ويعيش وينام، الإنسان بحاجة أن تصان كرامته.

لذلك، لماذا يدافع الإنسان عن وطنه ويعتبر شهيدا من يموت من أجل أرضه وعرضه وماله، لأن الإنسان يمارس إنسانيته وكرامته، فأول مادة في حقوق الإنسان هي الكرامة، وهي مجموع تطلعات الإنسان في العزة والعدل في حماية هويته.

ولذلك الدولة ليس سهلا عليها أن تواجه هذه التحديات، لكن يلاحَظ أنه لا يوجد «استراتيجية نهوض وطني» تبني مناعة المجتمع، للتعامل مع الجرائم والإحباط وارتفاع نسبة الجريمة، من خلال التعامل مع جذور الاحباطات، الاقتصادية والسياسية للإحباط والعنف والجريمة ليس كلها مرتبطة بالتعبئة الايدلوجية الدينية، ومن يهيكل الفرص في المجتمع هي السياسة، فهي توجه الدين وتوجه الاجتماع والاقتصاد، السياسة هي التي توجه، لذلك تخلق مجتمعا سياسيا. في الاقتصاد مشينا في إطار الدعم الخارجي، وهذا الدعم لا يبني تنمية مستدامة، حقوق الإنسان أساس في التنمية، فمثلا التركيز على حق الحصول على غذاء نقي، التعليم الجيد، لا يعني فقط أن أصلح التوجيهي، ولا يعني الحديث عن التطرف بالمناهج، بتحويل المشكلة عن آيات، بالعكس، فبالأساس إن جوهر التعليم هو البحث عن حرية التفكير ووجود التنافسية، والكفاءة وعدم التدخل في الهيئات التعليمية وعدم خصخصة التعليم الجامعي أو المدرسي.

هذا أكبر خطر على التعليم وهو رأس المال, لذلك ما حصل هو أن 1% من أبناء المجتمع يتعلم تعليما مميزا، و99% منهم تعليما عاديا جدا، وهم يقولون أن التطرف موجود في التعليم المتدني.

وبشكل عام نحتاج إلى إعادة النظر بمنهجية كاملة بإدارة المجتمع وتعاملها، كذلك يجب أن تكون حقوق الإنسان مدمجة بالحق في المشاركة العامة، وهي لدينا محكومة بأطر قد لا تأخذ مفاهيمها كاملة فتكون المخرجات بالأساس مبنية على مدخلات من المجتمع نفسه.

الصورة صعبة، لكن إذا صار تغيير في النهج، فالمجموعة التي تدير الشأن العام لا أعرف ما هي أولوياتها الوطنية وما هو برنامجها، هل فقط هدفها تقليص تطلعات المواطن أم بالفعل التعامل مع تطلعاته وتفعيلها، واكتشاف قدراته، ووضع استراتيجية تقاسم الأعباء..

التنمية المستدامة والنهوض الوطني، ليست عملية أرقام وحسابات، هي استراتيجيات وأولويات، تأتينا شكاوى من المواطنين، هناك ارتفاع لنسبة الفقر والبطالة، وارتفاع نسبة من يتذمرون لغياب العدل والمساواة.

الأساس هو استراتيجية الدولة حيال المواطن والمجتمع، هل نريد مجتمعا فاعلا قويا؟ مجتمعا هو يتولى وضع أولوياته فعلا، ويتحمل النتائج؟

نحن نواجه تحديات، فالمجتمع نفسه يعاني من تفتت وشرذمة وتناقضات، وهذه تناقضات موجودة، لكن لو تدار بطريقة أخرى، تتحول إلى تنوع غني يغني المجتمع والدولة، لكن بسبب السعي لتقليص تطلعات المواطن صار تعدد الانتماءات، بدل أن يتحول إلى تنوع يثري ويعزز الأداء الوطني، مصدر عبء على الدولة والمجتمع ومصدر تهديد للمجتمع نفسه.

وأعتقد أن إدارة الدولة، البرلمان إلى حد ما، الانتخابات شكلية، المواطنون لا يشعرون أن البرلمان قادر أن يمثلهم، الأعيان يتم تعيينهم لا أحد يعرف كيف تجري عملية تعيينهم، هل يعقل غرفة تشريعية كاملة لا أحد يعرف كيف عينت؟

نفس الشيء الانتخابات، هل مؤسسة البرلمان قادرة أن ترقى إلى تطلعات المواطن، وتعالج مصادر الإحباط الموجودة؟ مع التأكيد على وجود أشخاص فيها نجلّهم.

قبل مرحلة ما يسمى بالربيع العربي، كان الاصلاح السياسي وحقوق الإنسان شعارا للدولة والمجتمع والاحزاب السياسية، اليوم نرى أن هذا الشعار خفت صوته، هل تم التراجع عن هذا الشعار بحكم الظروف وتغير الإدارة الاميركية أم لذلك رؤية أخرى؟

المجتمع تعب ووصل مرحلة الإنهاك، وسبب إنهاك المجتمع، جزء كبير منه سياسات الدولة الاقتصادية والسياسية، وأيضا الحكومة تشعر أن الإصلاح ليس أولوية وتكتفي بأنها تحقق الأمن، وهذا أخطر شيء على الأردن، المهم بالأمن ليس درجته، بل كيف نحققه؟

هذه النظرة غائبة عن الاستراتيجيات الوطنية بالأردن، عن كثير من المسؤولين، أعرف أن الكثير من المسؤولين بالحكومة والأمن، يعون أنه ليس المهم الأمن ولكن المهم كيف يتحقق، ولا اقصد أمن النظام، أو النخبة وإنما أمن المجتمع.

بمعنى ليس أن تسيج المجتمع ولا أحد يخترقه، وإنما المجتمع هو يشتبك بنفسه، بمعنى الأمن المجتمعي هو أن المواطنين يتنافسون بحرية بموجب سيادة القانون على أساس من العدالة والقضاء المستقل والنزاهة والشفافية، والمؤسسات التمثيلية الفعلية، بحيث يشعر المواطن أن ما يحصل عليه أو يحرم منه هو فقط متاح له ضمن سيادة القانون.

قضايا مجتمعية مهمة تم تداولها مثل موضوع زواج القاصرات والنقاش دائر حول المادة (308)، الجرائم بنوعية جديدة لم يكن للمركز الوطني صوت فيها؟

نحن حضرنا اللقاءات، لا أريد أن أبالغ بالقول أن أمسية رمضان التي فتحت الحوار الدائر حاليا حول المادة 308 كان لنا بها دور كبير وهو المسؤول عنها، نحن دائما نعمل من الخلف، نحن لسنا جهة توفر الخدمة أو المسؤولة عن الانتهاك، نحن لسنا جهة مسؤولة عن تقديم التعليم أو الصحة ولا ضمان الحق بالصحة أو ضمان محاربة الفقر والبطالة، نحن جهة تؤشر إلى الانتهاكات ونعرضها أمام الدولة، نحن نبعث تقاريرنا إلى السلطات الثلاث، فأكثر من 80 تقريرا حول الانتهاكات الاقتصادية في المناطق الصناعية والمهمشة، التعليم بالأماكن النائية، الفئات الأكثر عرضة للانتهاك، المرأة، دور الإيواء وغيرها، نحن متابعون، لكننا لسنا جهة إعلامية، ولسنا معنيين بإبراز دور المركز، نحن معنيون بالحديث عن الانتهاك وعن الحق، قد نشعر أن الكثير من الإعلام قد يضع المركز بخصومة مع الدولة، أو يثير غيرة البعض عليه، نحن نشعر أنه يجب أن نعمل بصمت وليس بالإعلام. الإعلام سلاح مهم، ونأمل أن يتناول تقاريرنا ليس كحدث أو خبر، بل مصدرا للمعلومة لموضوعات تتطلب متابعة من المجتمع ومن النخب والمجتمع المدني، ولكن نشعر أيضا أننا لسنا بديلا عن المجتمع والمواطن الذي يتولى المطالبة بحقوقه.

الإعلام فيه إشكالية، فهو إما اعلام مجتمعي يذهب بعيدا نحو انتهاك الخصوصية والمدح والذم والتشهير غير الموثق، والإعلام الرسمي الذي لا يستغل سلطته الفعلية وإمكاناته للاشتباك الإيجابي مع قضايا المواطن والوطن، أصبح إعلاما تابعا للسلطة الرسمية إلى حد ما، أي حكومة يتعين أن يكون جزءا من سياساتها الدعائية، لكن الجرعة عالية كثيرا في المؤسسات الحكومية.

الإعلام هو آلية وموضوع، الإعلام هو آلية للنخب، والنخب غائبة، وهذه إحدى سياسات الدولة تجاه المجتمع، وهذا انعكس على الإعلام. الحكومة احتوت النخب بشكل واسع، إما بالترهيب أو الترغيب، والحكومة اتبعت سياسة للأسف ولها من يدافع عنها، إذا أنت لست من هذا الفريق تحرم من الامتيازات والتسهيلات، وهذه تنفق لمن يدعم هذا الخط.

كيف ترى تصنيف الأردن بالحريات، بعض المنظمات الدولية صنفتنا حرة جزئيا وأخرى غير حرة، كمركز كيف تنظرون لوضعنا بهذا الجانب؟

العداد يتذبذب بالنسبة للحريات، الحريات ليست فقط شكلية أن يسمح للمواطن بالتعبير، وإنما الحرية منظومة متكاملة لها مكونات اقتصادية ثقافية قانونية، ما فائدة أن يقال لي أنت حر بالطيران ولا أملك جناحين. الحريات عندنا لايوجد تقييد عليها، لكنها تحتاج تمكينا، فلِكي أمارس حريتي كمواطن أحتاج للمعلومة الصحيحة، وللآلية الدستورية والقانونية التي تعبر، المواطن ليس هو من يصنع السياسة، المواطن يصنع السياسة من خلال البرلمان، الذي يصنع التشريع، والإعلام القوي الفعال والمجتمع المدني الفعال، الثلاثة نشعر أنها مكبلة، وأيضا قضاء مستقل يأخذ دوره الفعلي يمارسه باستقلال كامل.

ما تعريف الحرية وكيف أفعّلها، يتم ذلك من خلال مؤسسات وقوانين وسياسات اقتصادية ومالية، في الأردن لا يوجد قمع لحرية التعبير وإنما في النهاية أي نقد يفسر تهديدا، هناك إشكالية بالتفريق بين حق النقد والحق في الحصول على المعلومة الصحيحة، فبعد أن تم احتواء الحراك وإضعافه، صاروا يلجأون إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليمارسوا الحراك بشكل فج أحيانا، فنرى هناك حرية، لكنها فجة أدت إلى محاولة تقييدها.

فهناك إشكالية مركبة بين ممارسة فجة أحيانا خارج الأطر الدستورية والقانونية، وبين غياب سياسات، هي بالأساس: ما هي فلسفة الدولة للبلد؟ الأزمة تنبع من غياب رؤية حقيقية واستراتيجية للدولة في علاقتها مع المجتمع، هل المجتمع مصدر قوة الدولة؟ أي دولة إذا كان المجتمع ضعيفا ومفتتا وهزيلا ومنقسم يعاني التطرف والإحباط، هو خطر عليها، ومسؤوليتها معالجته عبر انتخابات حرة نزيهة، واعتماد مبدأ الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون والقضاء وعدم السعي لاحتواء النخب وعدم محاربة الرأي المختلف أو الرأي الآخر.

المواطنون لهم الحق أن يتساءلوا، لكن الأن المواطن يئس من إعطاء رأيه، صارت عنده حالة انطواء ولامبالاة، وهذه يغذيها فجوة هائلة بين الأغنياء والفقراء، بين عمان والأرياف.

الوضع مناسب لقرار جريء من المسؤولين لتغيير النهج والنظرة للمجتمع والنظرة لطريقة التعامل معه ليس فقط بدمل جروحه واللجوء للأمن، تقوية الأمن وإعطاء امتيازات لرجال الأمن شخصية وغير شخصية، والاعتماد على الامتيازات لقادة الأمن والمسؤولين والمكافآت وتدوير المناصب، الوزير تضعه بالأعيان والعين ترجعه وزيرا، هذه بعيدة عن المواطن، مكافآت لمواقف معينة أدت إلى اللامبالاة وتزايد الانفصال بين المواطن والدولة.

جلالة الملك وجه بتأسيس منظومة النزاهة لإعادة ثقة المواطن بالدولة ولبحث أسباب عدم ثقته بالدولة واغترابه عنها، وكنت عضو في اللجنة الملكية، الآن وللأسف نفس السياسات التي أدت للاغتراب آنذاك، الآن بدأت تظهر بشكل جلي، والخطط والاستراتيجيات في الأدراج.

هل هناك تجاوب حكومي مع توصيات التقارير السنوية الصادرة عن المركز؟

التجاوب مع توصيات المركز، ومع قضايا حقوق الإنسان صعب أن تقاس بالأرقام والنسب، هي تقاس باتجاه، أوضاع حقوق الانسان الآن «مكانك سر» وأحيانا «خطوة للأمام وخطوة ونصف للخلف»، تقريرنا السنوي قريبا سيسلم لجلالة الملك ورؤساء السلطات الثلاث، وسيظهر الوضع.

- المركز الوطني منذ تأسيسه قبل نحو عشر سنوات كان له دور في تطوير أداء مراكز الإصلاح والتأهيل ومراكز التوقيف، كيف تقيم وضع هذه المراكز حاليا؟ بأمانة البيئة السجنية تحسنت كثيرا، المشكلة تكمن بمراكز التوقيف المؤقتة والتحقيق الأولي، فيها إشكالات بالبيئة والظروف، يحاولون تحسينها ضمن الامكانات المتاحة، هناك إشكالية بنظارات التوقيف المسائية، وفي مركز موقر2، بشكل عام تحدث ممارسات تعذيب فردية، بعضها تحول للقضاء، الإجراءات التي يجريها الأمن العام ضمن قانونه يحيل المعنيين إلى القضاء الشرطي، نعتبرها خطوة مقبولة لكنها غير كافية، لأنه يجب أن تحال إلى القضاء النظامي للنظر بقضايا التعذيب، وتعديل المادة 208 عقوبات، ونأمل أن يعدل البرلمان هذه المادة.

جلالة الملك باستمرار يبدي رعاية واهتماماً بالمركز ويشدد على ضرورة منحه حرية واستقلالية بالعمل، كيف ترى تفاعل الحكومة مع التوجيهات الملكية، بالاستجابة مع تقارير وتوصيات المركز؟

الحكومة اتجهت إلى خط آخر، صارت تحكي عن إنجازاتها، وهناك ناطق إعلامي نتفاعل معه في متابعة بعض قضايا الانتهاكات، لكن في قضايا بنيوية في السياسات والتشريعات والممارسات تولد الانتهاكات بالبيئة والعمل ومحاربة الفقر، وفي النظام التعليمي، بجميع النظم، بمنظومة الأمن، بالبنى السياسية، بالهدف العام للدولة وبنية الدولة وعلاقة المجتمع بالدولة، هذه كلها تقارير المنسق الحكومي لا يتعاطى معها، الخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان فيها أشياء مهمة جدا يجب أن تعطى أولوية، كون مدتها عشر سنين لايجب أن ننتظر عشر سنوات لتحقيقها نريد أن نرى ما يمكن تحقيقه اليوم أن يتحقق، فإذا لم تنفذها بموعدها ستخلق نتائج سلبية، وبالتالي، سيصعب عليك المعالجة، نعتقد أن الأمر يعود إلى نظرة مختلفة لآلية إدارة الشأن العام وإدارة الدولة، والهدف الوطني للدولة أصبح هو الإشكالية الآن، فهو يؤثر على جميع حقوق المواطن.

بالسابق كان الإنسان يعيش كرامته ثم حاجته المادية، الآن انقلبت الآية، أولويته حاجته المادية ومن ثم كرامته، هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في أساسيات إدارة الشأن العام، من حيث الجهات والتوجيه، ومن يقوم بمعالجة التحديات التي تواجهها، والعمل على تحديد تحديات المجتمع وأولوياته، مسألة الاختفاء خلف الأمن والامان، لا يوجد إنسان لا يؤيد الأمن، لكن الأمن بمفهومه غير ما يطبق الآن ولا بالوسائل، لا يمكن أن يتحقق الأمن بوسيلة لا أمنية، جرعة كبيرة من الحقوق تعزز الأمن، لكن جرعة كبيرة من الأمن تهدد الأمن، جرعة كبيرة من الأمن على حساب الحقوق لن تقود إلا إلى اللا أمن.

هل تواجهون بعملكم أي تدخلات من الأجهزة الأمنية؟

لا، لي خمس سنوات في موقعي، وبأمانة، لم أشعر يوما بأي تدخلات كمفوض عام لم يسبق بأي مناسبة أن حاول أي جهاز أمني أن يتدخل أو يؤثر على عمل المركز، لا أعرف إذا كانت لديهم وسائل ثانية، لكن أنا لم أشعر بالتدخل بأي موضوع، ولم ألمس أي محاولة للتأثير على عملنا..

في موضوع الشكاوى ومتابعة الإدعاءات في التعذيب يكون هناك تواصل وتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وسبق أن زرنا دائرة المخابرات للتحقق من إدعاءات أثناء أزمة الكرك وغيرها، ولا أحد من الموقوفين أفاد بوجود تعذيب. كان هناك إدعاءات من قبل حالة أو حالتين، خاطبنا بها الجهات الأمنية، وتم الإفراج عن هذه الحالات، فهناك تعاون من هذه الجهات بهذا الشأن. هل تعتقد أن وجود منسق حكومي لحقوق الإنسان برئاسة الوزراء ساعد بالتعاون ما بين المركز والحكومة، أم أنه طغى على دور المركز الوطني؟

المنسق الحكومي لحقوق الإنسان برئاسة الوزراء والخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان أتت نتيجة مداخلات للمركز الوطني لجلالة الملك، كما أننا نرحب بأي هيئات توعوية أو حكومية تنسيقية، وهذا خلق زخما، لكن للأسف قد يتحول هذا إلى ماكنة دعائية للحكومة، هذا يعود لهم وللاعلام لتقييم أدائهم، نحن نتصل بهم في حال وجود انتهاكات، يتدخلون لدى الجهات المعنية، وأحيانا المواطنون يتصلون بهم مباشرة.

لكن كمواطنين، وكإعلام، عليكم التقييم إذا كانوا آلية دعائية لعمل الحكومة ولرسم صورة إيجابية دعائية لها، أم آلية حكومية هدفها تمكين المواطن من الوصول إلى حقه وإنصافه ومعالجة الانتهاكات وحماية حقوقه.

نحن لدينا ملاحظات على تقاريرهم، نقدمها، لكن ما نقوله إن ما يقومون به دور إيجابي، نتأمل أن يقيم الإعلام أداءهم وسياسة الحكومة تجاه حقوق الإنسان، كما يفعل مع المركز.

وهناك 95 ضابط ارتباط في الوزارات والمؤسسات، جزئيا سهلوا بحل بعض الانتهاكات، لكن توصيات المركزعميقة هدفها تغيير تشريعات وسياسات لكن هذا لم نصل له، جله مرتبط بتحسين الممارسات، ومعالجة الانتهاكات الناجمة عنها.

المصدر:

http://alrai.com/article/10400006